ماتشتّت أولادك… تجأر بالبكاء

عوض الكريم فضل المولى جادالله الشيخ
تقول الحكمة السودانية: “ما تشتّت أولادك… بتحتاج ليهم قبل البكاء”.
وهي ليست مجرد نصيحة أسرية عابرة أو حكمة تحاوزها الزمن واستعلي عليها المثقف، بل خلاصة تجربة اجتماعية عميقة تدعو إلى احتواء الخلاف قبل أن يتحول إلى قطيعة وستفحل الي بندقية تدخلات اقليمية ودولية، باَل إلى تقديم التنازل الحكيم حين يشتد النزاع داخل البيت الواحد.
في مثل هذه اللحظات، يتدخل كبار الأسرة ناصحين الأب: اصبر قليلًا، لا تغضب، ولا تدفع أبناءك بعيدًا، فغدًا ستحتاج إليهم بجانبك.
غير أن ما يحدث في المشهد السوداني يبدو نقيضًا لهذه الحكمة تمامًا.
فالحكام أو المتحكمين بالسلاح و النفوذ القبلي في السودان، على مرّ تعاقب الأزمات، يتصرفون وكأنهم لم يعايشوا هذه القيم، أو لم يسمعوا بها قط.
كلما ظهر خلاف أو تمرّد، تعلو أصوات الإدانة والرفض، وتُدقّ طبول العداء بدل البحث عن جذور المشكلة.
ثم، في مفارقة لافتة، ما إن ينقلب المتمرد على حلفائه أو يغيّر موقعه، حتى يُستقبل استقبال الفاتحين، وتُفتح له المنابر، وتُمنح له الأوسمة، وكأن الماضي قد مُحي تماما وتسترخ دماء أبنائه وتنسي كل المأسـِبَي والمظلم.
هذا السلوك لا يعكس براغماتية سياسية بقدر ما يكشف عن غياب رؤية وطنية متماسكة.
فالمتمرد بالأمس يصبح شريك اليوم، دون مراجعة حقيقية أو مساءلة، ودون اعتبار لتبعات أفعاله السابقة.
وهنا تستدعي الذاكرة الشعبية قولها الساخر: “الجفلن خلّهم أقرع الواقفات”، في إشارة إلى ترك الأسباب الحقيقية للأزمة والانشغال بنتائجها الظاهرة فقط.
إن التعامل مع الأزمات بهذه العقلية يُبقي البلاد في دائرة مغلقة من الصراع وفتح شهية تمرد جديد.
فبدلًا من البحث الجاد عمّا يجمع الفرقاء حول مشروع وطني جامع وسد زرايع تفرق وتشتت آخر، يتم الاكتفاء بدعوات شكلية للحوار، لا تهدف إلى سلام حقيقي بقدر ما تُستخدم كأدوات لإعادة توزيع النفوذ وتقاسم السلطة.
وهكذا تتحول العملية السياسية إلى سوق مفتوح لتجار الأزمات، حيث يُستثمر في استمرار الحرب أكثر مما يُستثمر في إنهائها وطي صفحاتها.
والنتيجة معروفة ومؤلمة: يطول أمد الحرب، تتسع رقعة النزوح واللجوء، ترتفع معدلات الفقر، ويشتد الجوع والمرض.
ومع ذلك، لا تتوقف الشكوى الرسمية أمام المجتمعين الإقليمي والدولي، وكأن من صنع الأزمة يطلب النجدة من آثارها، دون أن يعترف بدوره في تفاقمها.
تحضرني هنا حكاية شعبية معبّرة: يُروى أن إمام مسجد كان يقرأ خطبة الجمعة من ورقة وهو يبكي، فصاح أحد المصلين: “تبكي ليه؟ مش كتبتها بيدك!”.
وهي قصة تختصر حال من يصنع أزمته بيده، ثم يندب نتائجها.
إن السودان اليوم في حاجة ماسّة إلى استعادة تلك الحكمة البسيطة: لا تشتّت أبناءك.
فالوطن، كالعائلة، لا يحتمل المزيد من الانقسام.
والحكمة السياسية الحقيقية لا تكمن في كسب الخصوم مؤقتًا، بل في بناء أرضية مشتركة تمنع تحول الخلاف إلى صراع وجودي.
قبل أن يتقدّم الزمن أكثر، وقبل أن تصبح كلفة التماسك مستحيلة، يبقى الخيار واضحًا: إمّا جمع “الأبناء” حول مشروع وطني جامع، أو الاستمرار في دوامة التفكك التي لا تُبقي ولا تذر.
يقول الاستاذ محمود محمد طه( ان السلام هو حاجة البشرية اليوم )



