مقالات وآراء

عندما تُسلَّح العقول للقتل قبل الأيدي: فمن المسؤول عن عنف المدارس في السودان؟

حسن عبد الرضي

ما جرى في ود الحليو ليس حادثةً عابرة، ولا “انفلاتًا” فرديًا يمكن احتواؤه بتقرير إداري بارد، بل هو جرس إنذار مدوٍّ يكشف إلى أي مدى انحدر الواقع التعليمي في السودان تحت وطأة حرب عبثية وخطابٍ مُسمَّم.
طالب يُضبط في حالة غش داخل مركز امتحانات الشهادة الثانوية، فيُفترض أن تنتهي القصة عند تطبيق لائحة الامتحانات. لكن ما حدث يكشف أن شيئًا عميقًا قد انكسر: يغادر الطالب، ثم يعود حاملاً بندقية، ويشق طريقه داخل حرم المدرسة ليحاول قتل المعلم الذي قام بواجبه. هذه ليست “واقعة شاذة”، بل نتيجة منطقية لبيئة تُربّي على العنف، وتُبرّر الانفلات، وتُفرغ التعليم من معناه.
السؤال الذي لا يمكن الهروب منه: كيف وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها السلاح امتدادًا لقرار تلميذ؟
الإجابة لا تُختزل في هذا الطالب، بل في المناخ الذي صاغ وعيه. حين تُغذّى عقول الصغار بخطاب “الجهاد” و”الاستنفار”، وحين تتحول مواضيع التعبير في المدارس إلى تمجيد للعسكرة بدلًا من ترسيخ قيم التفكير والمعرفة، فإننا لا نبني طلابًا، بل نُعدّ وقودًا لعنفٍ قادم.
وما يزيد المشهد قتامة، أن هذا الخطاب لا يأتي من الهامش، بل يجد صداه في مواقع المسؤولية. حين يتحدث مسؤولون تربويون بلغة خشنة عن “الاستنفار” وملء فراغ المعلمين بكتائب مسيّسة، فإن الرسالة التي تصل إلى الطالب واضحة: المدرسة لم تعد فضاءً للعلم، بل امتدادًا لساحة صراع. وفي هذه اللحظة، يفقد المعلم هيبته، لا لأنه أخطأ، بل لأن السلطة نفسها تضعه في موقع الاستبدال والتهديد.
ثم تأتي الحلقة الأخطر: التبرير والتسخيف. حين يُهدَّد الصحفي الذي نقل الخبر، وحين يُقدَّم الحادث على أنه “أمر عادي”، فإننا لا نواجه المشكلة، بل نُعمّقها. فالمجتمع الذي يُطَبِّع مع العنف، لن ينجو منه.
لكن تحميل المسؤولية لطرف واحد لا يكفي. فوزارة التربية وإدارات التعليم تتحمل نصيبًا واضحًا من هذا الانهيار. أين هي برامج تدريب المعلمين؟ أين القوانين الرادعة؟ أين الانضباط المؤسسي الذي يضمن أن المدرسة تظل مدرسة، لا ساحة فوضى؟
إن ترك الحبل على الغارب، سواء في سلوك بعض المعلمين أو في تجاوزات الطلاب أو في ضعف الرقابة، هو ما يخلق هذا الانفلات المركّب. الإصلاح لا يكون ببيانات إنشائية، بل بوضع قواعد واضحة تُطبَّق على الجميع بلا استثناء: طالب، معلم، مراقب، إداري، أو مسؤول.
غير أن الحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها هي أن الإصلاح لا يبدأ من أسفل. لا يمكن أن نطلب من الطالب أن ينضبط، بينما الخطاب العام نفسه مضطرب، ولا يمكن أن نطالب المعلم الذي لم توفر له فرص الاتزان بحرمانه من التأهيل على اخر وسائل اداء رسالته التعليمية وتدريبه على الخطط التربوية واخر طرق التدريس. ولن يتم ذلك بعيدا عن توفير البيئة المناسبة في بلد يجلس فيه تلاميذ على الارض “الجابرة” اكثر من ثلاث ساعة لأداء امتحانات ينافسون فيها زملاء لهم تتوفر لهم سبل الراحة. فكل ذلك يسحب أرضية الاحترام والدعم من تحت المعلم. والإصلاح الحقيقي يبدأ من القمة: من وضوح الرؤية، ومن صدق الإرادة في إعادة الاعتبار للتعليم بوصفه مشروعًا لبناء الإنسان، لا أداة في صراع السلطة.
ما حدث في ود الحليو ليس مجرد حادثة، بل مرآة. مرآة تعكس نظامًا تعليميًا مختلًا، وخطابًا عامًا مأزومًا، ومجتمعًا يقف على حافة فقدان البوصلة.
وإذا لم تُقرأ هذه الحادثة كما ينبغي، فإن السؤال لن يكون: كيف حدثت؟ بل: كم مرة ستتكرر؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..