مقالات وآراء

التعليم في ولاية الجزيرة… حين تتحوّل الشهادة إلى مأساة وطن

بقلم: حسن عبد الرضي

لم يعد البيان الصادر عن لجنة المعلمين بولاية الجزيرة مجرد تنبيه إداري عابر، بل هو وثيقة إدانة مكتملة الأركان، تكشف عن انهيارٍ عميقٍ في بنية التعليم، وتضع المجتمع أمام مرآةٍ قاسية يرى فيها كيف تُذبح براءة التلاميذ على مذبح الفوضى والفساد.
ففي الوقت الذي تستعد فيه الأسر – المثقلة أصلاً بجراح الحرب والنزوح والفقر – لدفع فلذات أكبادها إلى قاعات امتحانات الشهادة الابتدائية للعام ٢٠٢٦، لا يجد هؤلاء الصغار أمامهم منظومة تعليمية تُهيئهم، بل واقعاً مختلاً يفتقر إلى أبسط مقومات العدالة والنزاهة. عامٌ دراسيٌ معطوب، نقصٌ حاد في المعلمين، وبيئة تعليمية مدمّرة، ومع ذلك تُصر سلطة الأمر الواقع على المضي في مسرحية الامتحانات وكأن شيئاً لم يكن.
المأساة هنا ليست في الامتحان نفسه، بل في ما سبقه وما يحيط به. حين تُدار العملية التعليمية بعقلية الجباية لا التربية، يصبح تحصيل الرسوم أهم من تحصيل المعرفة. وحين تُقدّر ميزانيات الامتحانات جزافاً، ثم تُخفض بعد “منحة” غامضة، فإن ذلك لا يكشف فقط عن سوء إدارة، بل يفتح الباب واسعاً للتساؤل: أين تذهب الأموال؟ ومن يُحاسب؟ ومن يضمن أن ما تبقى من موارد سيُصرف على ما يضمن نزاهة الامتحان وسلامته؟
لكن قمة الكارثة تتجلى في ما أشار إليه البيان بوضوح: اختطاف العملية الامتحانية من أهلها. أن يُستبعد المعلمون – وهم أصحاب الاختصاص – لأسباب أمنية واهية، ويُستبدل بهم موظفون ومنسوبو نظام بائد أو جهات لا علاقة لها بالتربية، فذلك إعلان صريح بأن الامتحان لم يعد أداة تقييم، بل أداة تمكين. والأسوأ من ذلك، أن تُسند إدارة بعض المراكز الخارجية إلى قنصليات تفرض رسوماً خرافية، فيتحول حق التعليم إلى سلعة تُباع وتُشترى.
وهنا يبرز الخطر الأكبر: المراكز الخارجية. هذه المراكز التي يُفترض أن تكون ملاذاً آمناً لأبناء السودان اجمعه في الشتات، باتت مهددة بأن تصبح بؤراً للفوضى والتلاعب. فإذا كانت الفوضى تضرب في الداخل، فكيف سيكون الحال في الخارج حيث الرقابة أضعف، والتداخلات أكبر، والمصالح أكثر تشابكاً؟ كيف يمكن ضمان تكافؤ الفرص بين تلميذٍ داخل الولاية وآخر في مركز خارجي تُدار امتحاناته بعقلية الرسوم لا المعايير؟
إن ما يحدث اليوم لا يهدد فقط مصداقية امتحانات الشهادة الابتدائية والمتوسطة، بل يضرب في صميم الثقة في التعليم نفسه. فالشهادة التي لا تُبنى على أسس عادلة، تتحول إلى ورقة بلا قيمة، وتُنتج جيلاً فاقد الثقة في الجهد، مؤمناً بأن النجاح يُشترى لا يُستحق.
إن أخطر ما في هذه المأساة أنها تتكرر، وتتعمق، وتُدار وكأنها أمر طبيعي. من الشهادة السودانية التي شابها الكثير، إلى امتحانات الأساس التي تسير في طريق أسوأ، يبدو أن الانحدار لم يعد حادثة طارئة، بل نهجاً مستمراً.
ولذلك، فإن الصمت على ما يجري ليس حياداً، بل تواطؤ. والمسؤولية هنا لا تقع على المعلمين وحدهم، بل على المجتمع بأسره: أسرٌ، ومنظمات، وإعلام، وكل من يدرك أن التعليم ليس خدمة، بل حقٌ أصيل، وأن انهياره يعني انهيار المستقبل كله.
إن إنقاذ ما تبقى من مصداقية هذه الامتحانات يتطلب وقفة عاجلة: إعادة الاعتبار للمعلم، إخضاع كل مراحل الامتحان للرقابة المهنية، إلغاء هيمنة غير المختصين، وضبط المراكز الخارجية بمعايير صارمة تضمن العدالة والشفافية.
وإلا، فإننا لا نُجري امتحانات… بل نُشيّع جيلاً كاملاً إلى مستقبلٍ مُظلم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..