التعليم في السودان… حين تُتاح له الفرصة، يكتب مجد أمة

بقلم: حسن عبد الرضي
ليس من العدل، ولا من الحقيقة، أن يُختزل واقع التعليم في السودان في مشاهد الانهيار وحدها، أو في أرقام الرسوب القاسية، أو في امتحانات تُشبه ساحات الفرز أكثر من كونها جسور عبور. فخلف هذا الركام يقف جيش صامت من المعلمين الأكفاء، الذين لو أُتيحت لهم الفرصة، لصاغوا من السودان أيقونة تعليمية تليق بتاريخه وطاقاته.
نحن لا نتحدث عن وهمٍ أو أملٍ مُعلّق في الهواء، بل عن تجربة حية.
حين جلسنا لامتحانات الشهادة الثانوية في العام ١٩٨٤، كانت نسبة النجاح في اللغة الإنجليزية ٣٠%، وفي الرياضيات كذلك ٣٠%، بينما لم تتجاوز معظم المواد ٤٠%. كانت الأرقام قاسية، نعم، لكنها لم تكن انعكاسًا لعجز التعليم، بل كانت انعكاسًا لفلسفة تقويم صارمة، ترى في الامتحان أداة تصفية أكثر من كونه أداة قياس.
وهنا يتقاطع ذلك الواقع مع ما طرحه الأستاذ المستشار محمد آدم الضي في تحليله العميق لامتحانات ٢٠٢٦، حين أشار بوضوح إلى أن الامتحان، في صورته الحالية، قد انحرف عن وظيفته الأساسية، ليتحول إلى وسيلة إقصاء لا وسيلة إنصاف. وهذه ليست مصادفة تاريخية، بل نمط متكرر: كلما اختلت فلسفة القياس، ظهرت النتائج مشوهة، وبدت وكأنها تُدين الطالب، بينما هي في حقيقتها تُدين الأداة نفسها.
إن الرابط بين ١٩٨٤ و٢٠٢٦ ليس في صعوبة الامتحان وحدها، بل في السؤال الجوهري: هل نريد أن نقيس الفهم… أم نختبر القدرة على الاحتمال؟
في الحالتين، كان المعلم السوداني يؤدي دوره بإخلاص، ويُخرج من بين يديه طلابًا قادرين على المنافسة إقليميًا ودوليًا متى ما وُضعت أمامهم بيئة عادلة. والدليل أن آلاف السودانيين الذين تلقوا تعليمهم داخل هذه المنظومة نفسها لمعوا في جامعات العالم وأسواق العمل، لا لأن الامتحان كان قاسيًا، بل لأن المعلم كان عظيمًا.
المشكلة إذن ليست في المعلم، بل في المنظومة التي تكبّله. فحين يتحول الامتحان إلى سباق ضد الزمن، تُقاس فيه الكفاءة بعدد الصفحات المكتوبة لا بعمق الفهم، وحين تُصاغ الأسئلة من هوامش المقرر لتصطاد الطالب بدل أن تقيسه، فإننا لا نختبر الذكاء، بل نكافئ الحظ ونعاقب الاتزان. وهذا ما أشار إليه الأستاذ الضي بدقة، حين كشف أن توزيع الزمن على عدد الصفحات يجعل الطالب في معركة حسابية قبل أن تكون معرفية.
لكن، ورغم كل ذلك، يظل المعلم السوداني قادرًا—إذا تحرر من هذه القيود—على إحداث معجزة حقيقية. تخيلوا منظومة يُعاد فيها تعريف الامتحان كجسر لا كحاجز… ومنظومة تُعطي الطالب والمعلم ثقته، وتجعل من التقويم عملية مستمرة لا لحظة رعب… ومنظومة تُدرك أن الطالب في زمن الحرب لا يحتاج إلى اختبار قاسٍ، بل إلى فرصة عادلة… عندها فقط سيظهر السودان على حقيقته: بلد يملك عقولًا تعليمية فذة، وخبرات تربوية عميقة، ومعلمين لو أُعطوا الأدوات والحرية لصنعوا نموذجًا تعليميًا يُدرّس لا يُستورد.
إن أعظم خطأ يمكن أن نرتكبه هو أن نُحمّل الطلاب والمعلمين وزر نظامٍ لم يصممه المعلم، وأن نقرأ فشل الأداة باعتباره فشلًا للإنسان. فالطالب، في جوهره، لم يفشل… بل تم تقييده.
وخلاصة القول: إن السودان لا يفتقر إلى الكفاءة، بل إلى القرار.
ولا يعاني من ضعف الطلاب ولا المعلمين، بل من ضعف الرؤية. وما بين تجربة الأمس (١٩٨٤) وتحذيرات اليوم (٢٠٢٦)، تقف الحقيقة واضحة كالشمس: حين يكون الامتحان عادلًا، ينجح الطلاب… وحين يُنصف المعلم، ينهض الوطن.



