مقالات وآراء

من محراب الصحافة الى منصة النيابة.. وداعا عبدالفتاح سليمان

عبدالرحيم محمد سليمان

رحيل وكيل النيابة الاعلى بولاية النيل الازرق مولانا الدكتور ( عبد الفتاح سليمان عبد الفتاح) رحيل مر يكشف حجم الفراغ الذي يخلقه غياب اصحاب القيم في زمن تتراجع فيه المعاير!
لم يكن الفقيد مجرد مسؤول يتبوا منصب عدلي رفيع داخل النيابة العامة، بل كان نموذج لجيل اتشكل بين محراب الكلمة ومنصة العدالة .. اقول ذلك عن دراية شخصية، لا من باب المجاملة والرثاء العاطفي، فقد جمعتني به زمالة العمل عندما كنت فى القسم السياسي بجريدة (المسيرة) التى يصدرها المركز القومي للانتاج الاعلامي وان احاول ان اثبت ان للكلمة وزنا وللصحافة رسالة، في تلك البيئة المشحونة بالشغف، كان عبد الفتاح مختلفا بهدوءه اللافت ودقته في التحليل، ونزوعه الدائم إلى تحري الحقيقة، لم يكن يكتب كثيرا بقدر ما كان يكتب بعناية… ثم تفرقت بنا سبل الحياة بعد قرار السلطات ايقاق المسيرة، غير ان الاقدار شاءت ان تجمعني به مرة اخرى، في فناء المسرح القومي بامدرمان خلال مهرجان ليالي البقعة2006م، جلسنا نستعيد الذكريات، ونضحك على ايامٍ بدت حينها بعيدة، لكنها في الحقيقة كانت الاقرب الى ارواحنا.. اخبرني بابتسامته الهادئة يومها انه قرر العودة الى مجال القانون وان الصحافة ستظل شغفه الذي لاينتهي وقدره النهائي، تحدث معي بثقة دون ادعاء ودون ضجيج ولم اكن ادرك ان تلك اللحظة العابرة ستكون اخر ما يبقى معي من حضوره الحي.
هذا الانتقال من الصحافة للنيابة ليس مجرد انتقال مهني وحسب انما كان تعبير عن شخصية تحمل وعي بالحقيقة ووعيا بالعدالة، وهي معادلة نادرة في واقع تتكرر فيه الشكاوي من غياب الضمير وضعف الالتزام المهني.
فقد ظل عبدالفتاح مثالا للنزاهة والاستقامة، لم تغيره المناصب، ولم تغره السلطة وهذه صفات لا اذكرها للتجميل لكنها الحقيقة التى يجب ان تقال، رحل عبدالفتاح ورحيله يجعلنا فى مواجهة حقيقة قاسية الا وهي ان الاوطان لا تخسر فقط برحيل الكفاءات بل برحيل النماذج التي كانت تمنح الامل في امكانية الاصلاح،اننا لا نرثي رجلا صالحا لكن نرثي قيم ونرثي فكرة ان يكون الانسان اكبر من منصبه.
رحل عبد الفتاح سليمان، لكن اثره باقي،
فالوفاء الحقيقي لا يكون بالبكاء عليه لكن بالتمسك بما كان يمثله من تفاني وقيم.
رحمه الله مولانا الدكتور عبدالفتاح سليمان رحمة واسعة،واسكنه فسيح جناته مع الصديقين والشهداء وحسن اولئك رفيقا ، وجعل ما قدمه في ميزان حسناته.
( انا لله وانا اليه راجعون)

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..