مقالات وآراء

ضياء الدين بلال… يتحدث بلسان الدعاية باسم الفضيلة

ليس جديدًا أن يخرج بعض صحفيي السلطة القديمة بثياب المعلّق السياسي، وهم في حقيقتهم أبواق دعائية مدفوعة الثمن، مهمتها إعادة تدوير خطاب الحركة الإسلامية وتلميع وجهها كلما انكشفت جرائمها.
وما كتبه ضياء الدين بلال ليس تحليلًا سياسيًا، ولا قراءة وطنية، بل هو امتداد مباشر لوظيفة قديمة: الدفاع عن المشروع الكيزاني مهما بلغت فظائعه، والهجوم على كل من يفضح بنيته العنيفة والإرهابية.
وحين يسخر من “صمود” بتعبير “قوم صمود”، فهو لا يمارس نقدًا سياسيًا، بل يحاول احتقار خصومه لغويًا، كما اعتادت مدرسة الإسلاميين في توصيف كل من يعارضهم: مرة بالخيانة، ومرة بالعمالة، ومرة بالاستخفاف اللفظي.
إنها ذات المدرسة التي لا تستطيع أن تواجه الفكرة بالحجة، فتلوذ بالتنميط والتشويه.
لكن السؤال الحقيقي: كيف يستكثر ضياء الدين على الناس فرحتهم بتصنيف الحركة الإسلامية كيانًا إرهابيًا؟
أليست هذه الحركة هي التي جعلت من الدين أداة للحشد والقتل والتكفير؟
أليست هي التي رعت خطاب الجهاد السياسي، وعبأت الشباب باسم الشهادة لتثبيت سلطانها؟
أليست هي التي أقامت دولة كاملة على القمع باسم المشروع الحضاري، ثم انتهت إلى الفساد المنظم والنهب الممنهج؟
إذا كان الإرهاب هو توظيف العقيدة لإرهاب المجتمع، واستباحة الدماء لتحقيق مكاسب سياسية، فإن الحركة الإسلامية السودانية كانت من أوضح نماذجه في المنطقة.
فهي لم تكتفِ بالقمع الداخلي، بل أنتجت خطابًا ثقافيًا وسياسيًا يبرر العنف ويُقدّسه، ويصوّر الخصوم وكأنهم أعداء لله، لا مجرد منافسين في الرأي.
لهذا، فإن أي تصنيف يضع هذه الجماعة في موضعها الطبيعي ليس ظلمًا، بل تأخرٌ طويل في تسمية الأشياء بأسمائها.
والمفارقة أن ضياء الدين يتحدث عن الإدانة والضمير، بينما يتجاهل إرثًا كاملًا من الجرائم السياسية التي ارتكبتها الحركة التي يدافع عنها.
يتحدث عن المرتزقة وكأن الذاكرة العامة لا تعرف من الذي فتح أبواب البلاد للمليشيات، ومن الذي شرعن السلاح خارج المؤسسة الوطنية، ومن الذي أسس ثقافة الحرب الأهلية باسم الدين والهوية.
إن محاولة تصوير كل قرار دولي ضد الإسلاميين بوصفه استهدافًا للوطن، هي الحيلة القديمة نفسها: خلط التنظيم بالدولة، والجماعة بالجيش، والمصلحة الحزبية بالمصلحة الوطنية.
وهي حيلة لم تعد تنطلي على أحد.
أما ما يزيد فرحة السودانيين فهو عودة الحديث عن تفكيك بنية نظام الثلاثين من يونيو، ذلك النظام الذي أرعب كثيرين ممن ارتبطت مصالحهم به.
ومع عودة هذا المسار، يلوح شبح المساءلة من جديد، ويضيق الهامش أمام من اعتادوا الاحتماء بالشعارات.
فكما يقول المثل: لكل أولٍ آخر.
وإن فرحة الناس بملاحقة التنظيمات التي أفسدت البلاد ليست شماتة، بل توقٌ إلى العدالة.
والعدالة لا تقتصر على القيادات السياسية فقط، بل تمتد إلى كل من شارك في تزييف الوعي، وتبرير العنف، وتجميل الاستبداد، بمن فيهم الكتّاب والمنصات الإعلامية التي تحولت إلى مصانع للكراهية والتضليل.
إن تفكيك بنية التمكين لا يكتمل بإزالة المسؤولين من مواقعهم فقط، بل بكشف الشبكات الثقافية والإعلامية التي منحتهم الغطاء الأخلاقي واللغوي.
فالقلم الذي يبرر القتل لا يقل خطرًا عن اليد التي تنفذه.
ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يُطرح على ضياء الدين ومن هم على شاكلته ليس: لماذا يفرح الناس بسقوط الحركة الإسلامية؟
بل: كيف لا يفرحون، وقد ذاقوا من مشروعها ما يكفي من الدم والخراب والانقسام؟
لقد انتهى زمن الحصانات الرمزية.
ومن اعتادوا الحديث من فوق منصات النفوذ سيجدون أنفسهم، عاجلًا أو آجلًا، أمام محكمة التاريخ… وهناك لا تنفع البلاغة، ولا ينقذهم ضجيج المقالات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..