احتفاءٌ بكلمةٍ صادقة… انتصرت للفن في وجه القبح

بقلم: حسن عبد الرضي
لم يكن تعليق الأخ العزيز أحمد خير الله على مقالي «ارفعوا قدر المغنيين والفنانين» مجرد كلمات عابرة تُقال في معرض الإعجاب، بل كان – في تقديري – لحظة التقاء نادرة بين فكرتين ظلتا تبحثان عن بعضهما منذ زمن بعيد. ولذلك، فإنني أعلن – دون مواربة – احتفائي العميق بما كتبه، لا لأنه أثنى على المقال فحسب، بل لأنه أعاد صياغة جوهر الفكرة في لغة أكثر صفاءً، وأكثر اقترابًا من روح الفن ذاته.
لقد ظل هذا المقال الذي كتبته يختمر في ذهني زهاء خمسة عشر عامًا… خمسة عشر عامًا من الأسى الصامت، وأنا أرى حملات التشويه الممنهجة التي يقودها من يسمّون أنفسهم برجال الدين ضد الفن والفنانين. كانت تلك الهجمات تحزّ في النفس، لا لأنها تستهدف أشخاصًا بعينهم، بل لأنها تكشف عن جهل عميق بجوهر الدين نفسه، ذلك الجوهر الذي لا يعرف إلا الجمال، ولا يدعو إلا إلى تهذيب الروح وارتقائها.
وها هو أحمد خير الله يلتقط هذه الحقيقة بحدس المبدع، حين يقول إن الفن «تنزّل من قمة علوية، مموسقًا ليخاطب العقول، ويهذب نشاذ وتشويش النفوس». تلك ليست عبارة بل رؤية… رؤية تعيد للفن مكانته التي حاول البعض أن يسلبها منه زورًا وبهتانًا.
لقد كنت – وما زلت – في حاجة إلى أن يُقال للناس بوضوح: إن الذين يدّعون القداسة ليسوا بالضرورة أقرب إلى الدين، بل قد يكونون – في كثير من الأحيان – أبعد الناس عن أخلاقه. فالدين الذي يحتفي بالجمال، كيف يمكن أن يُستخدم سيفًا في وجه الفن؟ والدين الذي يدعو إلى مكارم الأخلاق، كيف يُختطف ليصبح أداةً للسخرية من الإبداع وتسفيه أهله؟
إنها مفارقة موجعة، ولكنها ليست بريئة.
ففي ظل نظام الإنقاذ (الله لا عاده)، لم تكن الحرب على الفن صدفة، بل كانت سياسة. سياسة هدفت إلى تجفيف منابع الجمال في وجدان الشعب، وإحلال القبح مكانه. ولعل من أبشع تجليات ذلك، ما ارتكبه متشددو ذلك النظام من حرق مكتبة الإذاعة السودانية، تلك الذاكرة الفنية التي كانت تختزن تاريخًا من الإبداع لا يُقدّر بثمن.
وعندما فشلوا في صرف الناس عن الفن الأصيل، لجأوا إلى جريمة أشد خبثًا: تشويه الذائقة نفسها. فبدل أن يمنعوا الفن، صنعوا فنًا مزيفًا… فنانين مهرجين، وأعمالًا مبتذلة، وأصواتًا نشازًا، هدفها ليس الإبداع، بل إفساد الحس الجمالي لدى الناس. وفي المقابل، أُقصي الكبار، وغُيّبت الأصوات التي كانت قادرة على إشعال جذوة الوعي في القلوب.
(يا حليل) محمد وردي… محمد الأمين… خليل إسماعيل… عائشة الفلاتية… شرحبيل أحمد… أم بلينة السنوسي… وغيرهم من عمالقة الإبداع الذين حُرمنا – أو كدنا – من امتداد أثرهم في لحظة كان الوطن في أمسّ الحاجة إليهم.
لكن، ورغم كل ذلك، لم يمت الفن.
وهنا تكتمل صورة ما قاله أحمد خير الله، حين أشار إلى أن ثوار ديسمبر استدعوا شعراء الشعب – أحياءً وأمواتًا – فاستجابوا. تلك ليست استعارة شعرية فحسب، بل وصف دقيق لما حدث: لقد عاد الفن ليقود الوجدان الجمعي، وعاد الشعر ليهتف في الشوارع، وعادت الأغنية لتكون وقود الثورة.
«شهدانا ما ماتوا عايشين مع الثوار»… لم تكن مجرد هتاف، بل كانت قصيدة شعبٍ كامل، كتبتها دماء أبنائه، ولحّنها وجعه، وغنّاها بإصرار لا ينكسر.
إن شعبًا «معجونًا من طينة الفن» – كما قال أحمد – لا يمكن أن يُهزم. قد تُشوَّه ذائقته مؤقتًا، وقد تُفرض عليه الرداءة قسرًا، لكنه سرعان ما يستعيد بوصلته، لأن الجمال فيه أصل، لا طارئ.
لذلك، فإن احتفائي بما كتبه أحمد خير الله هو – في حقيقته – احتفاء بانتصار الفكرة… انتصار الفن على محاولات اغتياله… وانتصار الوعي على خطاب التجهيل.
فشكرًا لك، يا أحمد، لأنك لم تكتفِ بقراءة المقال، بل أعدت كتابته بروح أخرى… روح تؤكد أن الفن ليس ترفًا، بل قدر… وأن هذا الشعب، مهما طال عليه ليل القبح، لا بد أن يلتقي مع فجره… حيث تلتقي – كما قلت – السماء بالأرض.




انت زول جميل في كتابتك وفي تتبع كتابات الاخرين
جزيل الشكر والتقدير