حين تُجرَحُ المرايا: في صون صورة الوطن من فوضى المنصات
قراءة في حدود الحرية الرقمية ومسؤولية الكلمة في حماية الذوق العام

ليست الأخلاق العامة مجرد شعارات تُرفع في مواسم الخطاب، ولا هي زينة لغوية تُستدعى عند الحاجة، بل هي — في جوهرها — العمود الخفي الذي تتكئ عليه صورة الأمم في أعين نفسها قبل أعين الآخرين.
فالمجتمعات التي تُفرّط في ذوقها العام، وتتهاون في حدودها الرمزية، إنما تُمهّد — دون أن تشعر — لتآكل صورتها في مرآة التاريخ، حتى إذا انكسرت تلك المرآة، لم يعد من اليسير ترميم شظاياها أو استعادة نقائها الأول.
وفي زمن تسارعت فيه المنصات الرقمية، وغدت فيه الكلمة والصورة أسرع من الرصاصة، لم يعد الانفلات الأخلاقي حدثًا محليًا محدود الأثر، بل صار فعلًا عابرًا للحدود، يُشاهَد في اللحظة ذاتها، وتُبنى عليه أحكام قد تلتصق بصورة شعب كامل، لا بصورة فرد منفلت.
وهنا تتبدّى خطورة اللحظة التاريخية التي نعيشها؛ إذ لم تعد صورة الوطن حكرًا على مؤسساته، بل أصبحت — في جانبٍ منها — رهينة ما يُبث في فضاءاتٍ مفتوحة لا تعرف حدودًا ولا تخضع لرقابة الوعي الفردي دائمًا.
عرفت الشخصية السودانية، عبر تاريخها الممتد، بخصال راسخة أصبحت — بمرور الزمن — جزءًا من الذاكرة الجمعية للمنطقة بأسرها؛ فقد ارتبط اسم السوداني في أذهان كثير من الشعوب بمعاني الأمانة، والاستقامة، ورهافة الذوق، والاحتكام إلى قيم الاحترام المتبادل.
ولم يكن ذلك مجرد انطباع عابر، بل ثمرة تراكم طويل من السلوك الاجتماعي المنضبط، والتنشئة الأخلاقية التي جعلت من الذوق العام قيمة عليا لا يُسمح بانتهاكها دون مساءلة مجتمعية واعية.
غير أن التحولات المتسارعة التي شهدها العالم في العقدين الأخيرين، وما صاحبها من انفتاح غير مسبوق في وسائل الاتصال، أفرزت ظواهر جديدة لم تكن مألوفة في المجتمعات المحافظة، من بينها بروز منصات ومحتويات تُقدَّم — في بعض الأحيان — خارج سياق الذوق العام، أو على حساب القيم التي ظلت، لعقود طويلة، جزءًا أصيلًا من ملامح الشخصية الوطنية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى نقاش جاد ومسؤول حول حدود الحرية، وواجبات القانون، ودور المؤسسات في صون الصورة العامة للمجتمع، دون الوقوع في فخ التضييق أو التعسف، ودون أن يتحول الدفاع عن القيم إلى ذريعة لمصادرة الحقوق المشروعة.
إن مفهوم الذوق العام ليس مفهومًا فضفاضًا كما قد يُتصوَّر، بل هو — في الدراسات القانونية والاجتماعية — منظومة من المعايير التي يتوافق عليها المجتمع، ويمنحها القانون صفة الحماية بوصفها جزءًا من النظام العام.
فالحرية، في معناها العميق، لا تعني الفوضى، ولا تُسوّغ الاعتداء على القيم المشتركة، بل تُمارَس ضمن حدود تحفظ كرامة الفرد وهيبة الجماعة في آن واحد.
وفي الآونة الأخيرة، لوحظ — في فضاءات رقمية متعددة — بروز محتويات وممارسات اتسمت بدرجة من السفه اللفظي أو الانفلات السلوكي، الأمر الذي أثار موجة من الاستياء داخل قطاعات واسعة من المجتمع، لا سيما حين يُقدَّم ذلك المحتوى باسم الهوية الوطنية، أو يُسوَّق باعتباره تمثيلًا لثقافة عريقة لطالما ارتبطت بالقيم الرفيعة.
وهنا تتبدّى إشكالية دقيقة: كيف يمكن للمجتمع أن يحمي ذوقه العام دون أن يُصادِر حرية التعبير؟
وكيف يمكن للقانون أن يتدخل دون أن يتحول إلى أداة للوصاية أو التضييق؟
إن أحد المقترحات التي تستحق النظر — من زاوية قانونية ومؤسسية — يتمثل في إنشاء أطر نظامية متخصصة، تضم قانونيين وخبراء في الإعلام الرقمي، تتولى رصد المخالفات التي تمس الذوق العام أو تُسيء إلى السمعة الوطنية، على أن تعمل هذه الأطر وفق معايير واضحة ومحددة، وتحت رقابة قضائية تضمن النزاهة والعدالة.
ولا ينبغي أن يُفهم مثل هذا التوجه بوصفه عداءً للحرية، بل باعتباره امتدادًا طبيعيًا لمفهوم الدولة الحديثة، التي توازن بين الحقوق والواجبات، وتحمي الفضاء العام من الانفلات الذي قد يُفضي — إن تُرك بلا ضبط — إلى فوضى قيمية تُهدد استقرار المجتمع ذاته.
كما أن مسألة الانتماء القانوني للأفراد — بمن فيهم أولئك الذين يحملون جنسيات أخرى — تظل خاضعة للقوانين الدولية والأعراف الدبلوماسية، إذ يمكن مخاطبة الجهات المختصة في الحالات التي يثبت فيها انتهاك واضح للقوانين أو إساءة متعمدة للهوية الوطنية، شريطة أن يتم ذلك ضمن الأطر القانونية المعترف بها، لا بدوافع انفعالية أو ردود أفعال عاطفية.
ومن الناحية الاجتماعية، لا يكفي الاعتماد على القانون وحده، إذ إن الذوق العام يُبنى أولًا داخل الأسرة، ويتعزز في المدرسة، ويترسخ عبر المؤسسات الثقافية والإعلامية.
فالقانون — مهما بلغت قوته — لا يستطيع أن يحل محل التربية، ولا أن يُغني عن الوعي المجتمعي.
ولعل أخطر ما قد تواجهه المجتمعات في هذا السياق هو تحول المنصات الرقمية إلى ساحات لعرض السلوكيات المنفلتة بوصفها إنجازًا أو وسيلة لجذب الانتباه.
ففي لحظة يختلط فيها الترفيه بالإثارة، قد يُعاد تعريف المقبول والمرفوض على نحو يُفقد المجتمع بوصلته الأخلاقية، ويُضعف قدرته على التمييز بين حرية التعبير والانفلات السلوكي.
إن الصورة الوطنية ليست مجرد شعار يُرفع في المناسبات، بل هي تراكم يومي من الأفعال الصغيرة التي تصنع الانطباع العام.
وكل سلوك خارج عن الذوق العام، حين يُبث للعالم، إنما يترك أثرًا لا يمحوه الاعتذار اللاحق، ولا تمحوه محاولات التبرير، لأن الانطباعات الأولى — في عالم الصورة — كثيرًا ما تكون الأشد رسوخًا والأطول بقاءً.
إن صون الذوق العام ليس معركة ضد الأفراد، ولا حربًا على الحرية، بل هو — في جوهره — دفاع عن صورة مجتمع بأكمله، وعن ميراث أخلاقي صنعته أجيال متعاقبة بعرقها وصبرها والتزامها.
فالمجتمعات التي تُحسن حماية قيمها، وتُقيم التوازن بين حرية التعبير ومسؤولية الكلمة، هي وحدها القادرة على العبور الآمن من زمن الاضطراب إلى أفق الاستقرار والكرامة.
وإذا كانت الأمم تُقاس بقدرتها على حماية قيمها دون أن تُغلق أبوابها أمام التطور، فإن الطريق الأمثل يكمن في تحقيق معادلة دقيقة: قانون عادل لا يُجامِل، وحرية مسؤولة لا تنفلت، ووعي مجتمعي يُدرك أن المنصة — مهما صغرت — قد تصبح نافذة يُطل منها العالم على صورة وطن كامل.
رسالة أخيرة:
وإلى أولئك الذين اتخذوا من المنصات الرقمية ساحات للعبث، وحمّلوا فضاءاتها محتويات تُكدِّر صفاء الذوق العام وتُسيء إلى نقاء الصورة الوطنية، نقول: قِفوا — ولو لبرهة — أمام مرايا ضمائركم التي شرختها أفعالكم قبل أن تُصدِّع صورة مجتمعكم.
راجعوا ذواتكم بصدق، وابدؤوا بالاعتذار لأنفسكم أولًا، قبل أن يكون الاعتذار لمجتمعاتكم التي احتضنتكم، ولوطنكم الكبير الذي منحكم اسمه وهويته.
ثم عودوا إلى ينابيع القيم الراسخة، واستظلوا بمظلة الدين القويم، واستحضروا في قلوبكم خشوعًا صادقًا يعيد للروح اتزانها، وللسلوك وقاره، وللكلمة معناها المسؤول.
فالأمم لا تنهض بالادعاء، بل بالانضباط، ولا تُصان كرامتها بالشعارات، بل بالمسؤولية التي تجعل من كل كلمة تُنشر، وكل صورة تُبث، عهدًا أخلاقيًا قبل أن تكون فعلًا عابرًا في فضاء مفتوح.
فالسودان — بما يحمله من تاريخ عريق وإرث أخلاقي متين — ليس مجرد جغرافيا، بل هو قيمة معنوية راسخة، وذاكرة شعب تشكّلت من احترام الإنسان للإنسان.
وحين تُصان تلك القيمة، تُصان معها كرامة الوطن، وتبقى صورته — كما كانت — ناصعة في وجدان أبنائه، ومضيئة في عيون الآخرين.



