مقالات وآراء

قراءة في مآلات الصراع وعثرات الحلم

محمد صالح محمد
بعد مرور ثلاث سنوات عجاف من الصراع المسلح يجد السودان نفسه اليوم في ابريل عام 2026، أمام مشهد جيوسياسي بالغ التعقيد.
فالدولة التي كانت يوماً سلة غذاء واعدة باتت ساحة لاختبار توازنات القوة الإقليمية ومختبراً لطائرات “الدرونز” العابرة للحدود في ظل استعصاء عسكري وميداني جعل من “الحسم” كلمة خارج سياق الواقع.
جغرافيا متغيرة وولاءات متشظية
لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة بين جيش نظامي وقوات موازية بل تحولت إلى صراع “مربعات نفوذ” متباينة.
فبينما استعاد الجيش السوداني مراكز استراتيجية مثل “ود مدني” والخرطوم في مطلع عام 2025، ما تزال قوات الدعم السريع تسيطر على مساحات شاسعة في دارفور وكردفان مع ظهور تحالفات جديدة مثل “قوات تأسيس” التي زادت من تعقيد المشهد في النيل الأزرق.
هذا التشظي الميداني أفرز واقعاً سياسياً مأزوماً؛ حيث يواجه الجيش تحدي “تعدد مراكز القرار” في مناطق سيطرته بين ضغوط الكتائب الإسلامية (مثل فيلق البراء بن مالك) الرافضة لأي تفاوض قد يقصيها وبين القوات المشتركة التي تبحث عن مكاسب “سلطوية” في أي تسوية قادمة.
مبادرات في “غرفة الإنعاش”
على الرغم من زخم المبادرات الدولية من “منبر جدة” إلى “الرباعية” وغيرها ووصولاً إلى رئاسة إثيوبيا لمجلس السلم والأمن الأفريقي في أبريل 2026 إلا أن النتائج تظل دون سقف التوقعات.
وتتجلى عوائق السلام في ثلاث نقاط جوهرية:
غياب الإجماع الإقليمي: تضارب أجندات القوى المجاورة والمتداخلة (مصر، الإمارات، السعودية، إثيوبيا) يحول دون ممارسة ضغط موحد وحقيقي على طرفي النزاع.
ارتباط المسار السوداني بالشرق الأوسط: بات السلام في الخرطوم وبورتسودان مرتبطاً بشكل عضوي بالاستقرار في البحر الأحمر والتوترات الإقليمية الكبرى مما جعل السودان “ورقة مقايضة” في ملفات دولية أوسع.
معضلة الشرعية المدنية: ما زال هناك استعصاء في التوافق على “حكومة مدنية” تقود المرحلة الانتقالية وهو المطلب الذي ترفضه المجموعات المسلحة التي تخشى أن ينهي السلام امتيازاتها الميدانية.
فرص السلام… هل ثمة ضوء في نهاية النفق؟
رغم قتامة المشهد تبرز بعض “الفرص القسرية” التي قد تدفع نحو التسوية:
الاستنزاف العسكري: حالة “الجمود الاستراتيجي” حيث لا يمكن لأي طرف سحق الآخر تماماً قد تفرض في نهاية المطاف القبول بصيغة “لا غالب ولا مغلوب”.
الضغط الإنساني: مع تصنيف السودان كأكبر كارثة إنسانية عالمية في 2026، تتصاعد الضغوط الشعبية والدولية لفتح ممرات آمنة مما قد يمهد لهدن تقنية تتحول تدريجياً إلى وقف إطلاق نار دائم.
مبادرة “حكومة الأمل”: التحركات التي يقودها بعض التكنوقراط والمدنيين في المحافل الدولية (مثل مجلس الأمن) لانتزاع “ملكية وطنية” لعملية السلام قد توفر مخرجاً إذا ما وجدت دعماً دولياً غير مشروط.
السودان بين التفكك والاسترداد
إن السودان في عام 2026 يقف على مفترق طرق تاريخي؛ فإما الذهاب نحو “سلام مفروض” من الخارج يضمن الحد الأدنى من بقاء الدولة أو الاستمرار في “حرب استنزاف طويلة” قد تنتهي بتلاشي الدولة المركزية وتحول الأقاليم إلى إمارات عسكرية مستقلة.
إن فرصة السلام الحقيقية لا تكمن في قاعات الفنادق الفخمة في العواصم الإقليمية بل في قدرة النخبة السودانية (العسكرية والمدنية) على تقديم تنازلات “مؤلمة” تتجاوز الطموحات الشخصية لصالح بقاء الخارطة السودانية موحدة.
وبدون ذلك سيبقى السلام في السودان “حلماً مؤجلاً” في انتظار معجزة سياسية لم تكتمل فصولها بعد.
ملاحظة إحصائية: تشير التقارير الأممية لعام 2026 إلى أن أكثر من 25 مليون سوداني بحاجة ماسة للمساعدات مما يجعل عامل “الزمن” هو العدو الأول لأي فرصة سلام قادمة.
السودان بين حافة الهاوية وفرصة الاستدراك الأخير
إن قراءة المشهد السوداني في ظل المعطيات الراهنة تفضي إلى حقيقة جيوسياسية مُرّة؛ وهي أن الدولة السودانية لم تعد تواجه مجرد “أزمة حكم” أو “صراع على السلطة” بل باتت أمام “تحدٍ وجودي” يهدد بتآكل مفهوم الدولة المركزية لصالح كانتونات عسكرية وجهوية.
و إن أي مسار مستقبلي للسلام لن يكتب له النجاح ما لم يتجاوز منطق “المحاصصة الهشة” إلى بناء “عقد اجتماعي وسياسي جديد” يعيد تعريف العلاقة بين المركز والأطراف ويضع حداً لظاهرة “تعدد الجيوش” التي أضحت ثقباً أسود يبتلع كل محاولات الاستقرار.
في نهاية المطاف يظل السلام في السودان رهيناً بتحولٍ بنيوي في عقلية النخبة السياسية والعسكرية على حد سواء؛ فإما القبول بـ “تسوية تاريخية شجاعة” تضع مصلحة الدولة فوق طموحات المحاور الإقليمية والمصالح الضيقة أو المضي قدماً في طريق “الصوملة” الذي لن ينجو منه أحد.
إن السودان اليوم لا يملك ترف الوقت وفرص السلام المتاحة الآن قد لا تكون مطروحة غداً مما يضع المجتمع الدولي والقوى الوطنية أمام مسؤولية أخلاقية وسياسية لفرض إرادة الحل قبل أن تتحول “الجغرافيا السودانية” إلى مجرد ذكرى في كتب التاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..