
ما كشفته لجنة المعلمين بولاية الجزيرة في بيانها الأخير بشأن سير امتحانات الشهادة الابتدائية ليس مجرد حادثة إدارية عابرة، ولا خطأً يمكن تجاوزه بعبارات التبرير المعتادة. ما جرى هو صورة مكثفة لأزمة أعمق تضرب جسد التعليم، وتكشف حجم العبث الذي بات يُدار به واحد من أكثر الملفات حساسية في المجتمع.
فالامتحانات ليست مناسبة روتينية تُدار بمنطق الاجتهادات الفردية والانفعالات اللحظية، وإنما هي اختبار لمدى كفاءة المؤسسات وقدرتها على حفظ حقوق التلاميذ وضمان العدالة بينهم. وحين تتحول هذه العملية إلى مشهد من الفوضى والارتباك، فإن الخلل لا يكون في التفاصيل فقط، بل في العقل الإداري الذي يقف خلفها.
أن يُعفى كبير المراقبين بسبب تأخير لم يتجاوز عشر دقائق، في أحد مراكز الامتحانات بولاية الجزيرة وفي توقيت حرج وحساس، فهذا ليس حزمًا إداريًا كما قد يحاول البعض تصويره، بل قرار متعجل يفتقر إلى الحكمة ويعكس سوء تقدير واضح. الإدارة الرشيدة لا تُقاس بسرعة العقوبة، بل بقدرتها على احتواء الموقف وحماية المصلحة العامة.
والنتيجة كانت كارثية: تأخير انطلاقة الامتحان لأكثر من ساعة، فقدان أوراق امتحانات طلاب التربية الخاصة، ارتباك في توفير البدائل، وتعريض فئة من أكثر الفئات هشاشة — طلاب الصم وذوي صعوبات التعلم — لظروف غير إنسانية وغير تربوية.
هذه ليست أخطاء تقنية. هذه انتهاكات لحقوق تربوية وإنسانية أساسية.
فحين يُترك طلاب التربية الخاصة بلا ترتيبات مناسبة، أو تغيب الجهات المختصة عن متابعة جلستهم الأولى، فإن الأمر لا يتعلق بسوء تنظيم فحسب، بل بإهمال ممنهج لفئة تستحق عناية مضاعفة، لا تهميشًا إضافيًا. والمجتمع الذي يقيس تقدمه بمدى رعايته للأضعف فيه، لا يمكن أن يقبل بهذا المستوى من التقصير.
الأخطر من ذلك أن ما حدث يضرب في صميم مبدأ تكافؤ الفرص. فالامتحان يجب أن يكون ساحة عدالة، لا مساحة تتفاوت فيها الظروف النفسية والتنظيمية بين مركز وآخر. أي اضطراب بهذا الحجم ينعكس مباشرة على أداء التلاميذ، ويشوّه نزاهة العملية برمتها.
إن بيان لجنة المعلمين بولاية الجزيرة لم يكن مجرد احتجاج مهني، بل جرس إنذار حقيقي. فهو يضع المسؤولية في مكانها الصحيح: عند من اتخذ القرار المتسرع، وعند من قصّر في المتابعة، وعند منظومة إدارية لم تستوعب أن الامتحانات ليست ميدانًا لاستعراض السلطة، بل مسؤولية أخلاقية ومؤسسية.
والمؤسف أن هذه الحادثة لم تأتِ من فراغ. فاللجنة نفسها أشارت إلى أنها نبهت سابقًا إلى مخاطر مماثلة. وهذا يعني أن الأزمة ليست وليدة لحظة، بل نتيجة تجاهل متكرر للتحذيرات، واستخفاف مزمن بصوت أهل المهنة.
حين تتكرر الإخفاقات رغم التنبيهات، فإننا أمام أزمة بنيوية لا حادثة معزولة.
إن تعليم ولاية الجزيرة، وهو من أكثر القطاعات حاجة إلى الاستقرار بعد سنوات الحرب والانهيار، لا يحتمل هذا النوع من القرارات الانفعالية والارتجال الإداري. فالمؤسسات التعليمية لا تُدار بالعصبية ولا بردود الأفعال، بل بالتخطيط، والانضباط، واحترام التخصص.
وإذا كانت الشهادة الابتدائية — وهي البوابة الأولى لمسيرة التلميذ — تُدار بهذا المستوى من الفوضى، فكيف يمكن الحديث عن إصلاح تعليمي حقيقي؟
إن المطالبة بتحقيق عاجل وشفاف ليست مطلبًا ثانويًا، بل ضرورة لاستعادة الثقة. والمحاسبة يجب أن تكون واضحة وعادلة، لا انتقائية ولا شكلية. لأن تجاوز ما حدث دون معالجة جادة يعني ترسيخ ثقافة الإفلات من المسؤولية.
والتعليم لا ينهض في بيئة يُكافأ فيها التسرع، ويُهمّش فيها المختصون، وتُهدر فيها حقوق التلاميذ.
إن كرامة التلميذ ليست بندًا إداريًا يمكن تأجيله، وحقوقه ليست تفصيلًا يمكن تجاوزه. وحين تُمس هذه الحقوق، فإن القضية تصبح قضية مجتمع بأكمله، لا مؤسسة واحدة.
ما حدث في ولاية الجزيرة ليس مجرد خلل في امتحان، بل مرآة لوضع إداري يحتاج إلى مراجعة شاملة. فإما أن تُستخلص الدروس وتُصحّح المسارات، أو يستمر العبث حتى يصبح الفشل هو القاعدة، لا الاستثناء.



