لماذا يُساء فهم النقد التربوي؟: توضيحٌ لازم حول امتحان اللغة الإنجليزية

بقلم: حسن عبد الرضي، موجه اللغة الانجليزية بولاية الخرطوم
أثار ما كتبته عن امتحان اللغة الإنجليزية للشهادة الابتدائية ردودًا متعددة، من بينها من ظن أنني أقول إن الامتحان من خارج الكتاب، أو أنني أزعم استحالة الإجابة عليه.
وهذا فهمٌ غير دقيق لما قصدته، ويحتاج إلى توضيح هادئ وموضوعي.
أنا لم أقل إن الامتحان من خارج المنهج، ولم أقل إن كل أسئلته مستحيلة.
بل أقرّ بوضوح أن أغلب مفرداته ومهاراته واردة في المقرر، وأن التلميذ الذي حظي بتعليمٍ منتظم، ومعلّمٍ مؤهل، ومتابعةٍ مستمرة، وتدرّب على أنشطة SMILE أولًا بأول، يمكنه أن يتعامل مع كثير من الأسئلة.
ولهذا فإنني أتفق تمامًا مع من كتب لي: “لو دُرِّسَ بالطريقة الصحيحة وحل التلميذ المنشط أول بأول وتابعه المعلم لكان لديه من الإمكانيات ما يدهشكم.”
نعم، أتفق مع هذا القول من حيث المبدأ.
لكن السؤال الجوهري ليس: ماذا يستطيع التلميذ في الظروف المثالية؟
السؤال الحقيقي هو: هل كانت الظروف الواقعية في ولاية الجزيرة — وفي السودان عمومًا، والتلاميذ طالبي اللجوء خارج السودان — ظروفًا مثالية تسمح بهذا الافتراض؟
وهنا تكمن المشكلة.
فالنقد الذي وجهته لم يكن للمنهج، ولا لفكرة التدريب الجيد، بل لغياب الموضوعية عند وضع الامتحان.
لأن واضع الامتحان بنى أسئلته على افتراضات غير متوفرة في الواقع: افترض وجود معلّم مؤهل في كل مدرسة.
وافترض توفر كتاب التلميذ وكتاب النشاط.
وافترض انتظام الدراسة بلا انقطاع.
وافترض بيئة آمنة نفسيًا وعقليًا للتلميذ.
وافترض زمنًا كافيًا للمراجعة والتدريب.
وافترض صفوفًا مستقرة وإجلاسًا مناسبًا.
وهذه الافتراضات — في سياق الحرب والنزوح والاضطراب الإداري — ليست قائمة أصلًا.
ولهذا فإن الامتحان، وإن كان “من داخل المنهج”، يظل غير موضوعي إذا تجاهل واقع المتعلمين.
فالامتحان الموضوعي لا يُقاس فقط بمدى التزامه بالمقرر، بل بمدى ملاءمته للظروف التعليمية الفعلية.
فأين تظهر الصعوبة؟
قد تبدو بعض الأسئلة سهلة على الورق، لكنها عند النظر إليها تربويًا تكشف مستوىً أعلى من المتوقع لتلاميذ هذه المرحلة، خاصة في ظل الظروف القائمة.
أولًا: كلمات التهجئة ليست مألوفة بالقدر الكافي:
في السؤال الأول [A]:
Maths
juice
flag
deserts
هذه الكلمات قد تكون واردة في المنهج، نعم.
لكن بعضها ليس من المفردات اليومية الراسخة لدى التلميذ السوداني في بيئة تعليمية مضطربة.
وكلمة مثل deserts تحديدًا ليست من الكلمات السهلة إملائيًا لصغار السن، لأنها تتطلب تمييزًا صوتيًا دقيقًا.
وجودها في المنهج لا يعني أنها مناسبة كأداة قياس حاسمة في امتحان مصيري.
ثانيًا: مفردات غير مألوفة ثقافيًا أو وظيفيًا:
في السؤال [F]:
Bedouin
wonders
presents
كلمة Bedouin ليست من المفردات الشائعة في الاستعمال المدرسي اليومي، وهي تحمل بُعدًا ثقافيًا قد لا يكون قريبًا من خبرة التلميذ.
وكلمة wonders مفهومها التجريدي أعلى من مستوى الحفظ الآلي.
هذه ليست كلمات مستحيلة، لكنها ليست أيضًا من النوع الذي ينبغي أن يُبنى عليه تقييم شامل لتلميذ في هذه المرحلة.
ثالثًا: إعادة الترتيب تتطلب فهمًا نحويًا متقدمًا:
في السؤال [E]:
What is that amazing box made of?
What days have we got history?
السؤال الأول يتطلب إدراك تركيب المبني للمجهول الجزئي مع حرف الجر في النهاية.
أما الثاني ففيه تركيب غير مألوف نسبيًا، بل حتى الجملة نفسها ليست الأكثر طبيعية من حيث الصياغة التعليمية.
هذا النوع من الأسئلة لا يقيس الحفظ فقط، بل يقيس قدرة تركيبية أعلى.
رابعًا: الاختيار من متعدد فيه بدائل مربكة:
في السؤال [G]:
These pupils are going ____ English.
study
studying
to study
هذا السؤال يحتاج فهمًا لقواعد المستقبل القريب، وليس مجرد تعرف بصري.
التلميذ الذي لم يُدرّب تدريبًا جيدًا سيقع بسهولة في الخطأ.
وفي سؤال:
She dreamt ____ a day without numbers.
in
of
at
هذا اختبار دقيق لحروف الجر، وهي من أصعب الجوانب لدى المتعلمين الصغار.
خامسًا: قطعة الفهم القرائي تحمل معلومات كثيفة:
القطعة عن أهرامات مروي تتضمن مقارنة رقمية بين السودان ومصر.
وتاريخ مملكة كوش.
ومعلومات عن البناء الخارجي.
واسم أجنبي: Giuseppe Ferlini
ثم يُطلب من التلميذ استخراج تفاصيل دقيقة.
هذا ليس مجرد فهم عام، بل استرجاع معلومات مركزة من نص غني بالمفاهيم.
في بيئة مستقرة قد يكون مناسبًا، أما في بيئة تعليمية متعثرة فهو عبء زائد.
القضية ليست في “المنهج” بل في “العدالة”:
مرة أخرى: أنا لا أنكر أن الامتحان من داخل المنهج.
ولا أنكر أن التلميذ المهيأ جيدًا يستطيع حله.
لكن الامتحانات العامة لا تُصمم للتلميذ المحظوظ وحده.
الامتحان العام يجب أن يُراعي المتوسط الواقعي للمتعلمين، لا الصورة المثالية التي يتخيلها واضع الورقة.
حين يكون آلاف التلاميذ قد درسوا في ظروف استثنائية، فإن وضع امتحان يعتمد على افتراض الكمال في التدريس والمتابعة يصبح إخلالًا بمبدأ العدالة التربوية.
فالاختبار الحقيقي ليس في قدرة الصفوة على الإجابة، بل في مدى إنصافه للأغلبية.
والخلاصة: إن من قال إن الامتحان من داخل المنهج — فهو محق.
ومن قال إن التلميذ إذا دُرّب جيدًا يستطيع الإجابة — فهو محق أيضًا.
لكنني أضيف: هذا كله لا يكفي لجعل الامتحان عادلًا أو موضوعيًا.
لأن العدالة التعليمية لا تُبنى على الافتراضات المثالية، بل على الواقع الفعلي.
والواقع يقول إن كثيرًا من مدارسنا لم تجد المعلّم الكافي، ولا الزمن الكافي، ولا البيئة النفسية المستقرة.
لذلك فإن الامتحان — رغم انتمائه للمقرر — جاء أعلى من الظروف التعليمية الحقيقية، وأقلّ حساسيةً تجاه السياق العام.
وهنا موضع الاعتراض.
فالامتحان ليس مجرد ورقة أسئلة…
إنه مرآة لفلسفة التعليم.
وحين تعكس هذه المرآة تجاهلًا للواقع، فإن الخلل ليس في التلميذ، بل في من ظن أن الجميع يعيشون الظروف نفسها.



