مقالات وآراء

الاعمال الكاملة”جمال محمد أحمد” (برفقة بشير ابوسن.. وروح الثورة) [1]

شريف محمد شريف

“الكلمةُ أنفسُ من أن تكون طوعَ الناس، كل الناس، لا يلقاها غيرُ ذي حظٍّ عظيم، قلِّةُ في كلِّ أمة. ج. م. أحمد”.

(1)

منذ أن طالعني منشور بتوقيع بشير ابوسن.. يطلب فيه مدِّه بالمساعدة والمعاونة الممكنة في جمع المواد المتعلقة بارث “جمال محمد أحمد” لتحريرها وطباعتها بما يليق. واعادة نشرها في سلسلة مجلدات. ادخرت في نفسي فرح عميق، وبشرى قادمة بالمشروع والعمل عليه والامل فيه، وما يعنيه هذا؛ صلةً وامتدادا لثورة ديسمبر السياسية، وأهمية مزجها واكمالها بالثورة الثقافية والفكرية. التي بدونها لا يمكن أن نجني ثمار الثورة السياسية، واكمال مخرجاتها ومعانيها ومبانيها، والتي من أجلها كان يكتب جمال.. وللاجيال القادمة. وخصِّيصا الشباب الطالع والطامح نحو بناء بلاده.
عفوًا واستدراك؛ اقول “جمال”.. حافيا هكذا دون القاب. لانَّ اعتقادي فيه. انَّه رَجلٌ لكل الفصول، ولا يمكن ان تحتويه الالقاب، التي تتعدَّد في شخصه وسَمته، وايجازًا شموليا لها. نكتفي بذكر اسمه المفرد ومعناه الجميل مُوحدًا، وجوهر المحبة والتبجيل هو التوحيد. وفوق ذلك؛ الم يُعلِّم ابنيه “عارف وعاطف” حين كتب لهما مخاطبًا اياهما: “.. ستعرفان – حين تسيـر بكما الحياةُ إلى الأمام – أنَّ الجمالَ أولى من العظمة”.

(2)

إن طباعة الأعمال الكاملة ل”جمال” طباعةً فاخرة من حيث المبنى، وتحريرها من حيث المعنى، لهو حدث ثقافي بذاته. وعلامة على استعادة الذاكرة السودانية. الادبية والفكرية التي تليق بمقام السودان. وحق بعض أبناءه الافذاذ ومساهمتهم”الحيَّة” والعميقة. والبعيدة الغور، رغم نكبات هذه البلاد واجيالها. ولكن عمق “اعمالهم” وما صاغوه من حقائق. وبذلوه من جهد علمي وأدبي وفكري رصين. تطلُّ براسها مؤذِّنة باوانها، وحين بعثها الآن.. والذي غاب دهرًا، لاسباب شتى، ناهيك أن يكون خروج مثل هذه الاعمال بثوبٍ جديد، وتوفرها مرةً اخرى في المكتبة السودانية للقراء المثقفين ولدى الباحثين، هو مجرد انقاذ لانتاج بلادنا من الدثار. بل هو ايضًا جزءًا من اعادة الثقة بذاتيتنا. واعادة الاعتبار لاهم رموزنا في مجالاتهم المختلفة التي حذقوا وعبقوا فيها. ممثلين لعبقرية بلادنا العظيمة، ومساهمتها مهما تكالبت عليها الادواء. واقعدت بها الى حين. لن يطول باذن الله. واحساسي دائما لا ينقطع أنَّ “جمال” حين استكتب عقله وأطَّر فكره ووجدانه، وعانى وكابد في مشروعه الفكري والادبي.. هو شعوره العميق والثقيل بديَّن بلاده عليه، ومسؤوليته تجاه مستقبلها ومستقبل اجيالها وتساؤلاتهم إليه وجيله..، فكتب وترجم في شؤون عدِّة، وقضايا تطلُّ براسها اليوم أمامنا في جدول الاعمال والمهام التي تنتظر الجيل الجديد في سوداننا الحبيب والقارة السمراء في اعادة البناء وطرح القضايا بشكل جديد وديمقراطي، وعند ذلك لا مناص لنا الا بالمرور بمحطة “جمال” في تحليل الهُوية السودانية، والآصرة بين العرب والافارقة، الوجدان الافريقي، مشروع الاتحاد.. والدولة الاتحادية، التقاليد الفكرية الراسخة، دور وعمل المؤسسات الاقليمية والعالمية ومشاركة السودان فيها، الدبلوماسية السودانية، التاصيل الابداعي والكتابي، فن الترجمة. الكفاءة والاحترافية في ممارسة المهن والانشطة العامة، بالشروط المعرفية والاخلاقية.. وذات الكفاءة المهنية المتطلبة لسودان المستقبل.

(3)

خيرًا فعل صديقنا بشير ابوسن(كلانا من مواليد التسعينات)، مثلما فعل قبله.. ويفعل الان صديقنا واخينا الاكبر(جيلٌ قبلنا وعمله مُنتمٍ الينا) الدكتور عبدالله الفكي البشير في انتاجه المستمر وبحثه المفتوح حول مشروع المفكر السوداني الانساني، الشهيد الاستاذ محمود محمد طه(صاحب الفهم الجديد للاسلام). واستنطاق التاريخ بالوثائق واعادة تدوينه على نحوٍ بديع وتعريفٍ جديد”سير الفكر في الزمان”، وهدم جدار الظلام والجهل وحقب العسكر الطويل في السودان، ومواجهة ضعف الاكاديميا السودانية، واعادة التعاطي مع الموروث الفكري دون وصاية على العقول. أو الاستلاب والترهيب، والحجر في سجون التشويه والتغييب المتعمد لرجل مثل “الاستاذ محمود” عن الذاكرة الوطنية والعقل الجمعي، وكسل العقول، وخيانة المثقفين، والاقلام الصدئة وعدم الالتزام بامانة القلم والورع العلمي والمعرفي ومهمته في تمليك الشعب المعارف والمعلومات الوافية. لذلك أرى في مثل عمل الدكتور عبدالله الفكي ومشروع بشير ابوسن الآني والمرتقب لاحياء “عيون المكتبة السودانية الأدبية والفكرية، وفقَ سياساتِ نشرٍ تجمع بين صونِ تراث أولئك الأفذاذ وإعادة تقديمه بصورة حديثة ثريّة، على يد فريقٍ متكامل” لعَمري هذه هي الثورة الحقيقية التي بشروقها سَينجاب ليل الجهل. وينشر نور الفكر أجنحته في السودان. وينبلج الصبح الاكيد، فانتظروا، وانا لمنتظرون غدًا، وإنَّ الصبح موعده قريب.

(4)

ترسخت صلتي “بجمال” وإرثه الفكري والادبي، ومعرفتي بأهمية الاطلاع عليه منذ وقت مبكَّر، ومردَّ ذلك هو أبي.. المعلم العتيق والنقابي العريق. الذي ينتمي إلى جيل المعلمين السودانيين القدامى(رحمه الله). في حَكيِه لي عن النوبة ورموزها. كثيرا ما أتى على ذكر جمال محمد أحمد ودبلوماسيته، داؤود عبداللطيف وإدارته، إبراهيم أحمد وماليته. وقبلهم سيد فرح وثورته، خليل فرح وفنه، الجيلي عبدالرحمن وشعره، نجم الدين محمد شريف وآثاره، ابوسليم ووثائقه،.. وغيرهم من الرموز النوبية، ولانَّ الحديث اكثره كان يجري في السياسة، ومراجعة التاريخ وادوار الرجال في الحركة الوطنية الحديثة، وكان من بين كثير الاسماء ذكرًا وحضورًا ما يمكن أن نطلق عليها “الاسرة النوبية” في دار النخبة ومركز السلطة في الخرطوم. ومن بين الاسماء بالطبع، اسم عمَّنا “جمال” وأداؤه الدبلوماسي في بواكير سنوات الخارجية السودانية. مواهبه وقدراته الفذة. مساهمته الأصيلة. دربته المتمرسة. حنكته البالغة. إدارته المعالجة. كتابته الراسخة. ترجمته المتينة. وفصاحته المبينة. بلغة العرب والعجم. ولسانه النوبي الاول!.
يضاف الى حواراتي تلك مع أبي، أيضًا تلصصي المبكر على مكتبته المنزلية الضخمة التي تعجُّ بالكثير من أمهات الكتب والمتون في الثقافة العربية والاسلامية، الادب والتاريخ السياسي ودرر الثقافة السودانية. فقرات أول ما قرات لجمال.. تقديمه لكتاب الدكتور منصور خالد(حوار مع الصفوة)، ثم كتيبه في الدبلوماسية السودانية، كتابه عرب وأفارقة طبعةً رديئة، كتاب اللجنة القومية لتخليد ذكرى جمال، مطالعات في الشؤون الافريقية نسخةً مصورة، ولاحقا ومؤخرًا أيامي بالجامعة كتاب عثمان محمد الحسن “جمال محمد أحمد: رسائل وأوراق خاصة”، ولا اكاد انسى الاسى الذي اصابني يومًا. حين وجدت كتاب: “أفريقيا تحت أضواء جديدة” بغلافٍ سميك وتجليد متين يعرضه أحد فرِّيشة الكتب في السوق العربي بالخرطوم، يدل مُحياه باهتمام صاحبه به زمنًا. ولعَّله كان لاحد المولعين بالكتاب، ودعته الحاجة لبيعه، كفى الله المثقفين عوزهم. حين عدت اليه ثاني يوم لاشتريه.. لم أجد الكتاب. ومن يومها تعلَّمت الدرس أن أحجز ما رأته عيني وأردت قطافه. دون تضييع الفرصة. وإن تاخر دفع الثمن وإتمام عملية الشراء!.

(5)

كانت معظم قراءاتي تلك في بادئ صباي، ومرحلتي الثانوية، ولا اخالني هضمت وعَنيت ووعيت ما قراته كما ينبغي، وكما يريد لنا جمال. التنسك في محراب الكلمة كتابةً وقراءةً كصنوان. وحسبي مما قرات واتيت بذكر جمال وفنه وادبه حينذاك. أن ذكَّر ذلك صديقي وزميلي بالمرحلة الثانوية أحمد ابوسن، أن يستدعي ذاكرته وذكرانا بالثانوي وذِكرِي لجمال.. ليهاتفني ونحن بالقاهرة بعد حرب أبريل، ويدعوني أن أكون برفقته لزيارة “عاطف جمال” وانجاز مهمة ستجد في نفسي هوىً، بتكليفٍ من ابن عمه الشاعر بشير ابوسن.. وذلك بأخذ أحد أعمال جمال بالانجليزية(رسالته لنيل الماجستير في اكسفورد عن الاصول الفكرية للقومية المصرية). وتحويل الكتاب الى نسخة الكترونية، ثمَّ عمل نسخة ورقية. وارسالها لبشير في المملكة العربية السعودية.
وعليه أسجِّل لبشير الفضل فوق الفضل. أنْ كان سببًا في تعرفي على، وتواصلي المباشر مع أسرة جمال.. متمثلة في”عاطف وعالية وعلوية _ جمال” ومن خلفهم كل العيون. سعدت بمعرفتهم. مثلما سعدت بتكليف صاحبيَّ أحمد وبشير.. ساعود اليهما وللاسرة، بعد اكمال سرد صلتي ورحلتي مع جمال.. في الجزء الثاني من المقال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..