مقالات وآراء

السودان ومصر… تاريخ مشترك لا يُختزل في رواية واحدة

محمد داؤد بنداك

لا يستطيع منصف أن ينكر أهمية السودان لمصر، ولا أهمية مصر للسودان. فالعلاقة بين شعبي البلدين ليست مجرد نتاج لجغرافيا متجاورة، بل هي حصيلة تاريخ طويل من التداخل الاجتماعي والثقافي، تعززه المصاهرة والامتداد البشري، خاصة عبر الوجود النوبي الذي ظل، عبر القرون، جسرًا حيًا بين الضفتين.

في المدن السودانية الكبرى، من الخرطوم إلى أم درمان وبورتسودان، استقرت عبر التاريخ مجموعات كبيرة من ذوي الأصول المصرية، خاصة منذ القرن التاسع عشر، وأسهمت في النشاط التجاري والحضري والإداري. ولا تزال آثار هذا الحضور واضحة في أحياء مثل المسالمة بأم درمان، كما تظهر في أسماء عائلات وألقاب ذات جذور مصرية مثل طنطاوي وقناوي وبيومي وغيرها—وهي ظاهرة معروفة في دراسات الهجرة والاندماج.

لكن، وعلى الرغم من هذا التداخل العميق، فإن بعض الخطابات المعاصرة—خاصة في بعض المنابر الإعلامية—تميل إلى تبسيط العلاقة التاريخية بين البلدين، بل واختزالها في مقولة أن “السودان كان جزءًا من مصر”. وهي مقولة تحتاج إلى مراجعة دقيقة في ضوء ما تقوله المصادر التاريخية.

لفهم الصورة بشكل أدق، يجب العودة إلى سياق القرن التاسع عشر، حين كانت مصر نفسها ولاية ضمن الدولة العثمانية، وإن تمتعت بقدر من الحكم الذاتي في عهد محمد علي باشا. هذا الحاكم، الذي أسس لمشروع تحديثي كبير، لم يكن مصريًا في الأصل، بل جاء في إطار المنظومة العثمانية، وظل—من الناحية الرسمية—تابعًا للسلطان.
بعد القضاء على المماليك في مذبحة القلعة، اتجه محمد علي لتوسيع نفوذه جنوبًا، فأرسل حملة إلى السودان عام 1821 بقيادة ابنه إسماعيل باشا. وقد واجهت هذه الحملة مقاومة محلية، أبرزها حادثة مقتل إسماعيل في شندي، لكن السيطرة استمرت لاحقًا عبر حملات أخرى، ليخضع السودان لحكم عُرف تاريخيًا بـ“التركي-المصري”.

هذا الحكم لم يكن اندماجًا سياسيًا بين مصر والسودان، بقدر ما كان امتدادًا لمشروع توسعي في إطار إمبراطوري أوسع. وهو ما تؤكده دراسات مثل كتاب A History of the Sudan، التي تميّز بوضوح بين السيطرة الإدارية وبين مفهوم الدولة الوطنية الحديثة.

وفي ثمانينيات القرن التاسع عشر، اندلعت الثورة المهدية بقيادة محمد أحمد المهدي، والتي نجحت في إنهاء الحكم التركي-المصري، وتأسيس كيان سياسي مستقل نسبيًا في السودان—وهو تطور مهم يؤكد أن السودان لم يكن مجرد “إقليم تابع” بالمعنى البسيط.
لاحقًا، ومع تصاعد النفوذ البريطاني في المنطقة، خضعت مصر للاحتلال البريطاني عام 1882، ثم أُعيد احتلال السودان عبر حملة عسكرية قادها اللورد كتشنر عام 1898. وفي عام 1899، تم إقرار نظام الحكم الثنائي (الإنجليزي-المصري)، الذي منح بريطانيا السيطرة الفعلية على السودان، رغم الصيغة المشتركة الشكلية.
هذه الوقائع التاريخية، كما توثقها أعمال مثل Imperial Sudan، تؤكد أن مصر والسودان كانا—في مراحل طويلة—واقعين تحت هيمنة قوى أكبر، سواء كانت عثمانية أو بريطانية، وأن العلاقة بينهما لم تكن علاقة تبعية بسيطة بقدر ما كانت علاقة معقدة داخل سياق إمبراطوري واستعماري.

إن اختزال هذا التاريخ المركب في عبارة واحدة لا يخدم الحقيقة، بل يفتح الباب لسوء الفهم. فالعلاقة بين السودان ومصر أعمق من أن تُختزل في تبعية، وأغنى من أن تُقرأ خارج سياقها التاريخي.
اليوم، أكثر من أي وقت مضى، نحن بحاجة إلى خطاب عقلاني ومسؤول، يعترف بعمق الروابط بين الشعبين، دون أن يُفرّط في دقة التاريخ أو يختزله. فالتاريخ، حين يُقرأ بعين المعرفة لا بعين السياسة، يصبح جسرًا للتفاهم، لا أداة للجدل.

تعليق واحد

  1. يا زول ما تلف وتدور
    ببساطة
    مصر دولة إستعمارية قتلت جيوشها الألاف في معركة كرري حين أستشهد أجدادنا الشجعان
    والسودان دولة مستعمرة ظلت تتعرض للإنتهاكات والإنقلابات والتغول والإحتلال ومحاولة مستمية لجعل السودان متخلفا وبابعا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..