هل تداوي سياسات “تقنين الاستيراد” جراح الجنيه السوداني؟

محمد صالح محمد
يواجه الاقتصاد السوداني اليوم واحدة من أعقد الأزمات النقدية في تاريخه الحديث حيث بات الجنيه السوداني يصارع للبقاء أمام تغول العملات الأجنبية في ظل اقتصاد حرب وتآكل في المواعين الإيرادية وتوقف شبه كامل للقطاعات الإنتاجية.
وسط هذا المشهد المأزوم يبرز التساؤل الجوهري حول جدوى “الحمائية التجارية” عبر حظر استيراد سلع معينة واستثناء أخرى هل يمثل هذا الإجراء طوق نجاة حقيقي أم أنه مجرد مسكن مؤقت في هيكل اقتصادي يحتاج إلى جراحة عاجلة؟
المعادلة النقدية: ضغط الطلب وتهاوي العرض
من الناحية الاقتصادية السياسية يُعرف استقرار العملة الوطنية بأنه انعكاس لقوة الدولة وقدرتها على إدارة مواردها.
في السودان تحول الجنيه من مخزن للقيمة إلى ضحية لفجوة هائلة بين الطلب الجبري على الدولار لتغطية الاحتياجات الأساسية (وقود، قمح، أدوية، ومدخلات إنتاج) وبين شح العرض الناتج عن توقف الصادرات وتراجع تحويلات المغتربين عبر القنوات الرسمية.
إن اللجوء إلى قائمة “المحظورات الاستيرادية” يهدف تقنيًا إلى تخفيف الضغط على النقد الأجنبي من خلال:
كبح النزيف: تقليل خروج الدولار لشراء سلع تُصنف كـ “كمالية” أو “غير ضرورية”.
إعادة توجيه الكتلة النقدية: حصر السيولة المتاحة لتوفير السلع الاستراتيجية التي تمس حياة المواطن مباشرة وتدعم المجهود الإغاثي والتنموي.
تحديات الحظر: دروس من الواقع السوداني
رغم منطقية الإجراء من زاوية “اقتصاد الضرورة” إلا أن فاعليته تصطدم بعقبات هيكلية قد تؤدي إلى نتائج عكسية:
نمو الأسواق الموازية: يؤدي حظر سلع ذات طلب محلي قائم إلى انتقال تجارتها من القنوات الرسمية إلى “اقتصاد الظل” والتهريب مما ينقل الضغط على الدولار من المصارف إلى السوق السوداء وهو ما يعمق الفوارق السعرية ويغذي المضاربات.
التضخم المستورد: حظر سلع معينة قد يقلل الطلب على الدولار لكنه يرفع أسعار السلع البديلة محليًا نتيجة الندرة مما يرفع معدلات التضخم ويؤثر على القوة الشرائية للجنيه بشكل غير مباشر.
العدالة التوزيعية: الاستثناءات في القوائم الاستيرادية غالبًا ما تفتح بابًا “للمحسوبية السياسية” أو احتكارات القلة حيث تستفيد جهات بعينها من رخص الاستيراد الحصرية مما يشوه المنافسة ويخلق طبقة مستفيدة من اقتصاد الأزمة.
الاستثناءات: الضرورات التي تبيح المحظورات
لا يمكن الحديث عن حظر شامل في ظل وضع إنساني معقد.
الاستثناءات يجب أن تُبنى على معايير الأمن الغذائي والدوائي ومدخلات الإنتاج الزراعي والصناعي.
إنقاذ الجنيه لا يبدأ بمنع الاستيراد فحسب بل بتحويل “الاستثناءات” إلى محركات لزيادة العرض الكلي.
فدعم استيراد بذور الأسمدة والآليات الزراعية هو المسار الوحيد لخلق صادر سوداني قادر على جلب العملة الصعبة مستقبلاً.
الرؤية الاستراتيجية: أبعد من قائمة الحظر
إن إنقاذ الجنيه السوداني لا يمكن أن يتحقق كفعل ميكانيكي عبر قوائم الحظر وحدها بل يتطلب حزمة متكاملة تشمل:
الإصلاح المالي والنقدي: توحيد سعر الصرف فعلياً (وليس اسمياً فقط) لضمان تدفق الموارد عبر النظام المصرفي.
استعادة الثقة السياسية: استقرار العملة مرتبط ارتباطاً عضوياً بالاستقرار السياسي والأمني؛ فالرأسمال بطبعه “جبان” ولا يستقر في بيئة تفتقر للموثوقية.
تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية: لضمان تدفق المنح والقروض الميسرة واستئناف التعاون مع المؤسسات الدولية.
حظر استيراد السلع الكمالية هو إجراء تكتيكي قد يمنح الجنيه السوداني “فترة تنفس” قصيرة لكنه ليس حلاً استراتيجياً.
إن معركة إنقاذ العملة الوطنية هي في جوهرها معركة “إنتاج وإدارة” حيث لا تنجح السياسات الانكماشية في حماية العملة ما لم تصاحبها سياسات توسعية في القطاعات الإنتاجية الحقيقية.
وبدون ذلك يظل الجنيه عرضة للتقلبات وتظل قوائم الحظر مجرد محاولة لتأجيل الانهيار لا منعه.
يمكن القول إن سياسة “ترشيد الاستيراد” لا تعدو كونها أداة إدارة أزمة (Crisis Management) وليست استراتيجية استقرار مستدام.
إن تعافي الجنيه السوداني يظل رهيناً بمدى القدرة على معالجة الاختلالات الهيكلية في ميزان المدفوعات والانتقال من مرحلة “الاقتصاد الريعي” أو القائم على الاستهلاك إلى “الاقتصاد الإنتاجي”.
إن أي حظر لاستيراد السلع يجب أن يتزامن مع تحفيز الميزة التنافسية للمنتج المحلي وتقليص العجز المالي عبر ضبط الإنفاق العام لضمان عدم تحول هذه الإجراءات إلى وقود جديد لمعدلات التضخم الجامح.
في نهاية المطاف قيمة العملة الوطنية ليست مجرد رقم في شاشات التداول بل هي المرآة العاكسة لسلامة الهيكل الكلي للاقتصاد وقدرة الدولة على فرض سيادتها النقدية في ظل تحديات جيوسياسية واقتصادية غير مسبوقة.

