حين يتكلم اللاشعور: السودان بوصفه مسرحًا لصراع النماذج البدئية (Archetypes)
م. معاوية ماجد

ليس كل ما يجري على سطح التاريخ قابلا للفهم بأدواته المباشرة. فثمة طبقات أعمق، صامتة، تعمل تحت الضجيج، وتعيد تشكيل الوقائع دون أن تُرى. هناك، في ذلك العمق الغامض، حيث تتراكم خبرات الانسان الأولى وتترسب صور الأسلاف، يتشكل ما يسميه عالم النفس السويسري كارل يونج بـ”اللاشعور الجمعي” (Collective Unconscious)، بوصفه خزانًا بدئيًا للرموز والصور التي تتكرر عبر الثقافات. ومن هذه الزاوية، يغدو النظر إلى الحالة السودانية محاولة للإنصات إلى ما لا يُقال، وقراءة ما لا يظهر، واستكشاف البنية الرمزية التي تحرك مسار الاحداث خارج منطقها الظاهري.
إن استدعاء مفهوم “النماذج البدئية” (Archetypes) عند يونج لا يأتي هنا بوصفه ترفًا نظريًا، بل كمدخل ضروري لفهم تعقيد يتجاوز السياسة إلى ما هو أعمق منها.
فالسودان، في لحظته الراهنة، لا يعيش مجرد صراع على السلطة، بل يعيش انكشافًا حادًا لبنية نفسية جمعية ظلت لزمن طويل مؤجلة المواجهة. ما يبدو تفككًا في الدولة، يمكن قراءته بوصفه تفككًا في توازن “الذات الجمعية”، حيث تتنازعها قوى بدئية متضادة دون أن تنجح في بلوغ صيغة تركيبية جامعة.
في هذا السياق، يبرز “الظل” (Shadow) بوصفه الفاعل الأكثر كثافة وتأثيرًا. ليس الظل هنا مجرد استعارة للعنف، بل هو ذلك المخزون التاريخي من الإقصاء، والمرارات، والتجارب غير المعالجة التي تم دفعها إلى الهامش بدل مواجهتها. لقد تراكم هذا الظل عبر عقود من الصراعات غير المحسومة، ومن السرديات المتنازعة التي لم تُصغ في إطار وطني جامع، فظل كامنا في بنية اللاشعور الجمعي، إلى أن وجد لحظته المناسبة للظهور. وما نشهده اليوم يمكن قراءته بوصفه لحظة انفجار لهذا الظل، حيث يتحول المكبوت إلى قوة فاعلة، ويخرج ما تم إنكاره ليعيد تشكيل الواقع بعنف.
في مقابل ذلك، يبدو “القناع” (Persona) وقد استُهلك إلى حد الانكشاف. فقد تنقلت النخب، عبر مسار طويل، بين أقنعة متعددة: ايديولوجية، وطنية، ثورية، ومدنية. غير أن هذا التعدد لم يكن تعبيرًا عن ثراء، بقدر ما كان انعكاسًا لغياب مركز حقيقي للهوية. ومع كل تحول، كان القناع يتبدل دون أن يتغير ما تحته. وحين تآكلت هذه الأقنعة تحت ضغط الواقع، لم يظهر وجه أصيل، بل انكشف فراغ عميق، كشف بدوره هشاشة البناء الرمزي الذي استندت إليه السلطة والمعارضة على حد سواء.
أما نموذج “البطل” (Hero Archetype)، فقد ظل حاضرا بقوة في المخيال الجمعي، لكنه حضور ملتبس ومثقل بالتناقض. فثمة توق دائم إلى منقذ، إلى شخصية كاريزمية قادرة على حسم الفوضى واستعادة النظام. غير أن هذا التوق، على الرغم من قوته، يحمل في داخله بذرة اعادة انتاج الأزمة. إذ يُحمَّل البطل بما يفوق طاقته، ويُنتظر منه ما لا يمكن تحقيقه، فيتحول من حل إلى جزء من المشكلة. وهكذا تتكرر الدورة: صعود، ثم خيبة، ثم انتظار جديد، دون أن يتم كسر هذا النمط البدئي لصالح بناء مؤسسي مستقر.
وفي خضم هذا كله، يغيب النموذج الأهم: “الذات” (Self) بوصفها مركز التوازن والتكامل في نظرية يونج. إن غياب هذا المركز يعني غياب القدرة على التوفيق بين التناقضات، وعلى انتاج سردية جامعة تستوعب التنوع بدل أن تدفع به إلى الصراع. فالسودان، بتعدده الثقافي والاثني والتاريخي، يحتاج إلى ذات جمعية قادرة على ادماج هذا التعدد في بنية واحدة، لا إلى آليات تعيد انتاج الانقسام. غير أن ما نراه هو العكس: تفكك في الرؤية، وتشتت في المشروع، وعجز عن بناء أفق مشترك.
وإذا كان من الممكن استدعاء صورة رمزية جامعة، فإن الوطن نفسه يظهر بوصفه “الأم” (Mother Archetype) الجريحة، مثقلة بصراعات أبنائها، ومستهلكة في معارك لا تنتهي. هذه الصورة، على الرغم من حضورها العاطفي القوي في الخطاب العام، تظل عاجزة عن التحول إلى فعل يحمي هذا الجسد الرمزي من مزيد من التمزق. فالمجاز، حين لا يُترجم إلى وعي، يتحول إلى مجرد عزاء لغوي لا يغير من الواقع شيئًا.
إن ما تكشفه هذه القراءة، المستندة إلى مفاهيم كارل يونج، هو أن الأزمة السودانية، في عمقها، ليست فقط أزمة مؤسسات أو موارد أو توازنات سياسية، بل هي أزمة في البنية النفسية الجمعية، وفي الكيفية التي يتصور بها المجتمع ذاته وتاريخه ومستقبله. إنها أزمة خيال بقدر ما هي أزمة واقع، حيث تعجز النماذج المهيمنة عن انتاج معنى جامع، وتظل أسيرة أنماط بدئية تعيد انتاج نفسها في كل دورة من دورات الصراع.
ومن هنا، فإن أي أفق للحل لا يمكن أن يقتصر على الترتيبات السياسية أو الاتفاقات المرحلية، بل يتطلب عملية أعمق، أقرب إلى ما يسميه يونج “التفرد” (Individuation)، أي السير نحو تكامل الذات عبر مواجهة الظل وادماج التناقضات. عملية تبدأ بالاعتراف، لا بالإنكار، وبالفهم، لا بالإسقاط، وبإعادة تعريف البطولة خارج منطق الفرد المنقذ، وصولا إلى بناء ذات جمعية قادرة على التوازن والاندماج.
فالسودان، في نهاية المطاف، لا يحتاج فقط إلى نهاية حرب، بل إلى بداية وعي جديد؛ وعي يرى في ما يجري ليس مجرد انهيار، بل فرصة نادرة لمواجهة الذات وإعادة بنائها على أسس أكثر صدقًا واتساعًا. وفي هذا الأفق وحده، يمكن لما يبدو اليوم فوضى بلا معنى أن يتحول إلى لحظة تأسيس، لا لنظام سياسي فحسب، بل لمعنى أعمق للوجود المشترك.



