
وسط دويّ المدافع الذي لا يهدأ وأصوات الرصاص التي أصبحت الموسيقى التصويرية الوحيدة لأيامنا لم يعد هناك متسع للمناورات السياسية أو التبريرات العسكرية. اليوم يرتفع صوتُنا نحن السودانيين المواطنين الذين دُفع بهم إلى أتون حرب لم يختاروها بكلمة واحدة لا تقبل القسمة على اثنين: كفى.
إنها صرخة “أرضاً سلاح” التي لا تنطلق من ترف فكري بل من تحت ركام البيوت المهدمة ومن داخل مراكز النزوح و معسكرات اللجوء المكتظة ومن عيون الأمهات اللواتي فقدن الأبناء في صراعٍ عبثي بين جنرالات السلطة.
قراءة في المشهد :
منذ اندلاع المواجهة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع تحولت الخارطة السودانية إلى رقعة شطرنج دامية حيث الرهان هو دماء المواطن، والجائزة هي حكمُ بلدٍ يتآكل. إن التحليل المحايد لهذا الصراع يشير بوضوح إلى أن الاستمرار في الحسم العسكري هو وهمٌ مكلف؛ فلا طرف استطاع تحقيق نصرٍ ناجز ولا طرف أبدى مرونة حقيقية لإنقاذ ما تبقى من الدولة.
بين فكيّ “الجيش” و”الدعم السريع” يقبع المواطن السوداني في “منطقة العمليات” الدائمة. لقد تجاوزنا مرحلة الحديث عن “خسائر جانبية” فنحن اليوم نتحدث عن تدمير منهجي للبنية التحتية، وانهيار كامل للمنظومة الصحية، وتشريد الملايين الذين باتوا بلا مأوى داخل وطنهم وخارجه.
المواطن المغلوب الغائب الحاضر :
في أروقة المفاوضات الدولية وصالونات السياسة غالباً ما يُنسى العنصر الأهم وهو الإنسان السوداني. نحن لسنا مجرد أرقام في إحصائيات النازحين، ولا “أهدافاً محتملة” في تقارير الميدان. نحن أصحاب هذه الأرض، ونحن من ندفع ثمن كل طلقة تُطلق وكل قذيفة تسقط.
يأتي هذا المقال ليكون منبراً لمن لا منبر له. صرخة المواطن الذي لا يسمع صوته القادة العسكريون المنشغلون بالسيطرة على المواقع الاستراتيجية. إن استراتيجية “النصر بأي ثمن” تعني عملياً “إبادة الوطن من أجل الكرسي”، وهو ثمنٌ نرفض دفعه بعد اليوم.
لا للحرب… لا لمزيد من التشريد
إن الرفض الشعبي للحرب اليوم هو استفتاء حقيقي على رغبة السودانيين في الحياة. “لا للحرب” ليست شعاراً سياسياً ينتمي لجهة دون أخرى بل هي ضرورة وجودية.
كفى قتلاً: لأن دماء السودانيين غالية ولا يمكن استبدالها بمكاسب ميدانية زائلة.
كفى تشريداً: لأننا سئمنا رحلات اللجوء والنزوح والوقوف في طوابير المساعدات ونحن أهل العزة والكرامة.
كفى دماراً: لأن إعمار ما دمرته شهور من الاقتتال سيستغرق عقوداً من عمر الأجيال القادمة.
إن المخرج الوحيد للأزمة السودانية لا يمر عبر فوهة البندقية بل عبر العودة إلى جادة الصواب ووضع مصلحة الوطن فوق المصالح الضيقة. إننا نطالب الطرفين بوقف فوري وغير مشروط لإطلاق النار وفتح ممرات إنسانية حقيقية والاعتراف بأن الحل العسكري قد فشل في تحقيق الأمن بل جلب الخراب.
أرضاً سلاح… ليس كضعف بل كقوة إرادة شعب يريد البقاء. نحن السودانيين أصحاب الحق الأصيل نقولها بملء الفم: لا نريد حرباً أخرى و لا نريد رصاصة أخرى نريد وطناً يسعنا جميعاً وطناً تُبنى فيه المدارس بدلاً من الخنادق وتُزرع فيه الأرض بدلاً من أن تُدفن فيها أجساد أبنائنا.
هذا صوتي… فهل من مستمع قبل أن يبتلع الرماد ما تبقى؟
نحو ميثاق البقاء… لا لفتح جبهات انتحارية جديدة :
إن التحولات الراهنة في المشهد الميداني تضعنا أمام نفقٍ أكثر قتامة؛ فالمؤشرات التي توحي باحتمالية صدام مسلح جديد بين القوات المسلحة والقوات المشتركة (حركات الكفاح المسلح) تمثل انتحاراً سياسياً وعسكرياً لن ينجو منه أحد. إن السودان المثقل بآلام النزوح والتمزق لا يملك ترف الدخول في “حرب داخل الحرب” ولا يمكن أن يتحول رفاق الخندق الواحد أو حلفاء الضرورة إلى خصوم جدد على أنقاض ما تبقى من جغرافيا الوطن.
إننا وبصفتنا الكتلة المدنية الصامتة تحت وطأة الرصاص نبعث برسالة حاسمة إلى قيادات الجيش والقوات المشتركة: إن التاريخ لن يغفر مقامرةً أخرى بدماء السودانيين. إن المطلوب الآن ليس إعادة تموضع القوة أو البحث عن نفوذ في مناطق السيطرة بل التلاحم في مشروع وطني موحد ينهي عبثية الاقتتال مع “الدعم السريع” ويؤسس لسلام مستدام.
إن “أرضاً سلاح” تجاه أي صراع داخلي جديد هي الأولوية القصوى؛ فلا بديل عن الحوار العسكري-العسكري الرصين لتجاوز الخلافات والالتزام الصارم بحماية المدنيين بدلاً من تحويلهم إلى دروع بشرية في تصفية حسابات سياسية. إننا نريد سلاماً يعيد المواطن إلى بيته لا حرباً جديدة تشرد من نجا من ويلات المعارك الأولى.
إن السودان يقف على حافة التلاشي وأي رصاصة تُطلق بين الجيش والقوات المشتركة هي مسمار أخير في نعش وحدة الدولة. صوتنا سيظل عالياً: لا للجبهات الجديدة، لا لتوسيع رقعة الموت، ونعم لسلام عادل وشامل يضع حداً لهذا التيه الدامي.




صدام بين القوات المسلحة و المشتركة!!! ليس مهما ان يحدث هذا الصدام او لا يحدث، و لكن المهم التأمل في الهمجية السودانية الى اي مدى يمكن ان توصل في عصر الديجيتال.
رغم غباء صلف العسكرية في تاريخ البشر الذي غطى كل أرجاء السودان، يظل عبدالله حمدوك عليه الامل في ان يذبح عجل اوهام المعاتيه على أعتاب وطن اصبح ركام بشري و من الحزن