مقالات وآراء

بيان بلا كرامة.. حين تتحول النقابة إلى شاهد زور

تمخّض الجبل فولد فأرًا؛ وهكذا “تمطّت” النقابة العامة لعمال التعليم العام بالسودان و”لفقت” بيانًا، إن وصفناه بالهزيل نكون قد رفعنا مكانا لا يستحقه.
هذا ليس بيانًا… بل ورقة تبرير بائسة، مكتوبة بلغة خشبية ميتة، لا تمتّ بصلة لآلام المعلمين ولا لواقعهم المرير.
بيان يُفترض أنه صادر عن نقابة تمثل عمال التعليم، فإذا به ينحاز إلى السلطة، ويتقن فن المجاملة، ويعجز حتى عن تسمية الأشياء بأسمائها.
أيّ نقابة هذه التي تتحدث عن “تحسين الأجور”، بينما المعلم عاجز عن توفير قوت يومه؟
أيّ جرأة مفقودة هذه التي تجعلها تشكر المسؤولين بدل أن تحاسبهم؟
بل أيّ انحدار أخلاقي يجعلها تتغنّى بالدعم والاهتمام، في وقتٍ صار فيه المعلم مهانًا، مسحوقًا، ومجرد رقم في معادلة الإهمال؟
البيان لا يكتفي بالصمت عن الكارثة… بل يشارك في تجميلها.
يتحدث عن “متابعة التوصيات”، وكأن الأزمة مجرد تأخير إداري، لا انهيار كامل لمنظومة التعليم.
ويذكر “إزالة تشوهات الراتب”، بينما الراتب نفسه أصبح تشوهًا لا يُحتمل.
ويتغنّى بـ“السعي لتحسين أفضل”، وكأن المعلم يعيش في رفاهية ويحتاج فقط إلى لمسات تجميل!
الحقيقة التي يحاول هذا البيان طمسها واضحة:
المعلم في السودان يُهان يوميًا، ويُجبر على العمل في ظروف لا إنسانية، بلا حماية، بلا تقدير، وبلا أجر يكفيه، بينما نقابته مشغولة بصياغة عبارات الشكر والثناء.
الأسوأ من ذلك أن البيان يصرّ على خطاب عاطفي فارغ: “المعلمون الأوفياء ملح الأرض”… عبارة مستهلكة تُقال منذ عقود، بينما الواقع يقول إن هذا “الملح” يُسحق تحت أقدام الإهمال الرسمي والتواطؤ النقابي.
النقابة التي لا تغضب ليست نقابة، والنقابة التي لا تصرخ باسم المعلمين ليست نقابة، والنقابة التي تشكر من يظلم قواعدها شريك في الجريمة.
هذا البيان يكشف بوضوح أن هذه الجهة لم تعد تمثل المعلمين، بل تمثل السلطة عليهم، وأنها فقدت أهم وظائفها: الدفاع، المواجهة، والضغط.
ما نحتاجه ليس بيانات جوفاء… بل موقف شجاع.
ليس مجاملات… بل محاسبة.
ليس لغة دبلوماسية باردة… بل صوت حقيقي يعكس معاناة آلاف المعلمين.
أما هذا البيان… فمكانه الطبيعي ليس بين وثائق النقابات، بل في أرشيف الخذلان… وفي الحقيقة، مكانه سلة المهملات إن قبلت سلة المهملات بهذا النوع من “القمامة”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..