مقالات وآراء

حين يكون “العدل الانتقالي” هو البوصلة والقصاص هو الضمانة

محمد صالح محمد
بينما تقف الدولة السودانية اليوم على شفا هاوية نتيجة صراع مسلح لم يترك للمدنيين خياراً سوى النزوح أو الموت، يبرز التساؤل الجوهري الذي يتجاوز مجرد “وقف إطلاق النار”: كيف يمكن بناء سلام لا ينهار عند أول منعطف سياسي؟
الإجابة تكمن في معادلة سياسية وقانونية غائبة عن طاولة المفاوضات التقليدية، وهي أن السلام ليس نقيضاً للعدالة، بل هو الثمرة الطبيعية للقصاص والمحاكم العادلة.
أزمة “السلام الهش” وتكرار الفشل:
لقد أدمنت النخب السياسية والعسكرية في السودان لعقود من الزمن على إبرام اتفاقيات “تقاسم السلطة” تحت مسمى السلام، وهي في حقيقتها مجرد صفقات “توزيع غنائم” تتجاهل جراح الضحايا.
إن تغييب المحاسبة في الاتفاقيات السابقة هو الذي شرعن العنف كأداة للوصول إلى السلطة، مما جعل من السلام مجرد “استراحة محارب” تتحين فيها الأطراف الفرصة للانقضاض على بعضها البعض.
إن أي عملية سياسية لا تضع العدالة الانتقالية في قلب بنودها هي عملية محكوم عليها بالفشل، لأنها تترك جمرة الثأر متقدة تحت رماد الهدنة، وتسمح للجناة بالإفلات من العقاب تحت ذريعة “الاستقرار السياسي”.
القصاص كضرورة سياسية وأمنية:
لا يمكن قراءة القصاص هنا بمفهومه الجنائي الضيق فحسب، بل هو ضرورة استراتيجية لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمواطن.
فالعدالة هي التي تمنح السلام صبغة الشرعية الشعبية، وتجعل من الصعب على أي طرف التمرد على مخرجات التسوية.
محاور العدالة المطلوبة تشمل:
المحاسبة الجنائية: تفعيل دور المحاكم الوطنية والدولية للنظر في جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة ضد الإنسانية.
كشف الحقيقة: تشكيل لجان وطنية مستقلة لتوثيق الانتهاكات، فالاعتراف بالحقوق هو أولى خطوات جبر الضرر.
الإصلاح المؤسسي: لا يمكن تحقيق عدالة دون إصلاح جذري للمنظومة العدلية والأمنية لضمان استقلال القضاء وعدم تسييسه.
المحاكم العادلة: من الردع إلى الاستقرار.
إن تأسيس محاكم عادلة وناجزة لا يهدف فقط إلى معاقبة الجناة، بل يرسل رسالة ردع قوية لكل من يفكر في استخدام السلاح لفرض أجندته السياسية مستقبلاً.
السلام الذي يأتي عبر بوابة القصاص هو الوحيد القادر على:
إنهاء ثقافة الإفلات من العقاب، التي كانت المحرك الأساسي للدورات الانقلابية والصراعات المسلحة.
تحقيق التماسك الاجتماعي، عبر منح الضحايا شعوراً بأن حقوقهم لم تذهب سدىً في دهاليز السياسة.
بناء دولة القانون، حيث يتساوى الجميع أمام المنصة بعيداً عن الرتب والمناصب.
الرؤية المستقبلية: السلام العادل لا السلام “المنقوص”.
إن المجتمع الدولي والوسطاء الإقليميين مطالبون اليوم بتغيير مقاربتهم تجاه الأزمة السودانية؛ فالمطالبة بسلام “بأي ثمن” قد تمنح السودانيين صمتاً مؤقتاً للمدافع، لكنها لن تمنحهم وطناً مستقراً.
إن الطريق إلى الخرطوم، وإلى دارفور، وإلى كل بقعة دمرتها الحرب، يمر بالضرورة عبر قاعات المحاكم.
إن “السلام القائم على القصاص” ليس دعوة للانتقام، بل هو دعوة لتأسيس عقد اجتماعي جديد شعاره أن العدل هو أساس الملك، وأن دماء السودانيين ليست “عملة” للمقايضات السياسية.
إن السودان لا يحتاج إلى “هدنة محاربين”، بل يحتاج إلى “عدالة منصفين”.
فبدون القصاص سيظل السلام جسماً بلا روح، وبدون المحاكم العادلة سيبقى المستقبل رهينة للرصاص.
أن استدامة الدولة السودانية لم تعد رهينة “توافقات الغرف المغلقة”، بل هي رهينة بمدى شجاعة الطبقة السياسية في مواجهة استحقاق المحاسبة.
إن السلام الذي يتجاوز القصاص ليس سوى تأجيل مؤقت لانفجار أكبر، بينما السلام المحمي بسلطة القانون هو الضمانة الوحيدة لتحويل السودان من “ساحة صراع” إلى “دولة مؤسسات”.
في نهاية المطاف، لن يغفر التاريخ لأي تسوية تضع “الجاني” و”الضحية” على قدم المساواة في ميزان المستقبل؛ فإرساء قواعد العدالة هو الفعل السياسي الأكثر واقعية، والقصاص هو حجر الزاوية الذي بدونه سيبقى بناء السلام مجرد قصر من رمال في مهب ريح الأزمات المتكررة.
إن أمن السودان القومي يبدأ من منصة المحكمة، وينتهي حيث يشعر أصغر مواطن بأن حقه لا يسقط بالتقادم ولا بالاتفاقات السياسية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..