بين فخاخ التسييس وحقائق الجغرافيا السياسية

محمد صالح محمد
بينما تلتهم النيران ما تبقى من معالم الدولة السودانية وتتوسع رقعة النزوح لتشغل حيزاً جغرافياً وإنسانياً غير مسبوق يبرز سؤال جوهري في الصالونات السياسية والمحافل الدولية هل ما يحدث في السودان هو نتاج صراعات داخلية محضة على السلطة والموارد أم أن البلاد وقعت ضحية “نظرية المؤامرة” وتكالب القوى الإقليمية والدولية؟
تشريح العقل السياسي السوداني ونزعة التشكيك:
لطالما كان العقل السياسي في السودان ميالاً لتفسير الأزمات من منظور “المؤامرة الخارجية”. هذا الميل ليس محض خيال بل هو نتاج تاريخ طويل من التدخلات التي شهدتها البلاد منذ فجر الاستقلال. ومع اشتعال الصراع الحالي بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع استعادت هذه النظرية بريقها لتصبح التفسير الأسهل لتعقيدات المشهد.
تعتمد “بروبغاندا” المؤامرة في السودان على عدة ركائز:
الموقع الاستراتيجي: الإطلالة على البحر الأحمر والارتباط بسبع دول مضطربة يجعل من السودان مطمعاً للسيطرة على ممرات التجارة العالمية.
الموارد الكامنة: الذهب، الأراضي الزراعية الشاسعة، والمياه كلها عناصر تجعل من “إضعاف الدولة المركزية” هدفاً لبعض القوى التي تفضل التعامل مع كيانات هشة لتسهيل النهب المنظم.
إعادة رسم الخرائط: ثمة اعتقاد سائد بأن هناك مخططات “لتفتيت المفتت” تهدف إلى تقسيم السودان إلى دويلات عرقية وجهوية متناحرة لا تشكل تهديداً أو ثقلاً في موازين القوى الإقليمية.
تقاطع المصالح: حين تتحول الأرض إلى ساحة “بروكسي”
بعيداً عن العاطفة السياسية يشير هذا إلى أن السودان تحول بالفعل إلى ساحة لحرب بالوكالة (Proxy War). هنا تلتقي نظرية المؤامرة مع الواقع الجيوسياسي؛ فالدعم العسكري واللوجستي العابر للحدود ليس مجرد “أوهام” بل هو حقيقة وثقتها تقارير دولية وأممية.
إن تورط أطراف إقليمية في تمويل أو تسليح طرف على حساب الآخر يعزز فرضية “المؤامرة” لكنه في الواقع يعكس “تضارب المصالح الجيوسياسية” فبعض الدول ترى في استقرار السودان تهديداً لمشاريعها بينما يرى البعض الآخر في الفوضى مدخلاً لفرض نفوذ دائم.
“المؤامرة في الحالة السودانية ليست دائماً مخططاً سرياً يحاك في الغرف المظلمة بل هي أحياناً تقاطع لمصالح دولية تجد في ضعف الدولة السودانية فرصة لا تعوض.”
الهروب من المسؤولية الداخلية
الخطر الأكبر في المبالغة بتبني “نظرية المؤامرة” يكمن في أنها تعمل كـ “مخدر سياسي” يعفي الفاعلين الداخليين من مسؤولياتهم. فعندما تُعزى كل رصاصة وكل إخفاق في التفاوض إلى “أصابع خارجية” يتوارى الفشل الوطني في بناء عقد اجتماعي وجيش وطني موحد خلف ستار الأعذار الكونية.
إن الأزمة السودانية في جوهرها هي أزمة بنيوية في إدارة الدولة تفاقمت بسبب طموحات شخصية وصراعات نخبوية على كراسي الحكم. والمؤامرة مهما بلغت قوتها لا تجد بيئة خصبة إلا في الدول التي تعاني من “هشاشة المناعة الوطنية”.
السودان اليوم يقف في منطقة رمادية؛ فهو بلا شك هدف لأجندات خارجية تتقاطع وتتصادم على أرضه وهذا جانب من “المؤامرة” الواقعية. لكن في المقابل يُستخدم مصطلح “المؤامرة” كأداة تعبوية لتبرير استمرار الحرب وقمع الأصوات المنادية بالسلام.
إن الخروج من النفق المظلم يتطلب اعترافاً مزدوجاً: اعتراف بأن السودان مطمع دولي يتطلب حذراً سياسياً واعتراف بأن مفاتيح الحل تكمن في الخرطوم لا في العواصم البعيدة. فالمؤامرة لا تنجح إلا إذا وجدت من يفتح لها الأبواب من الداخل.
إن تشريح المشهد السوداني الراهن يفضي إلى حقيقة بنيوية قاسية: السودان لا يعاني من “مؤامرة” خارجية بقدر ما يعاني من “نكوص وطني” جعل من جغرافيته وموارده مشاعاً للقوى الطامعة. فالمؤامرة في أدبيات السياسة لا تستهدف القلاع الحصينة بل تنفذ عبر التصدعات التي تخلفها النخب السياسية والعسكرية حين تقدم “الأنا” الفئوية على “نحن” الوطنية.
العلاج الجراحي للأزمة يتطلب مساراً ثلاثي الأبعاد:
أولاً: استعادة المناعة السيادية: وذلك عبر فك الارتباط بين الأجندات الداخلية والمحاور الإقليمية. إن تحصين القرار الوطني يبدأ بإنهاء حالة “الارتزاق السياسي” والاعتماد على الحلول المستوردة التي غالباً ما تأتي مسمومة بمصالح واضحيها.
ثانياً: التحول من “شرعية البندقية” إلى “شرعية المؤسسة” إن جوهر الترياق يكمن في دمج القوى العسكرية كافة في جيش مهني واحد بعيداً عن الاستقطاب الأيديولوجي أو القبلي مع ضمان خروج العسكر من المعادلة الاقتصادية والسياسية لصالح حكم مدني مؤسسي.
ثالثاً: عقد اجتماعي “سوداني – سوداني”: تجاوز “فوبيا” التفكيك لا يكون بالتحشيد العسكري بل عبر هندسة دستورية عادلة تضمن توزيع السلطة والثروة وتنهي جدلية المركز والهامش التي كانت دوماً الثغرة التي يتسلل منها “المتآمر” الخارجي.
إن السودان ليس قدراً محتوماً بالفشل ونظرية المؤامرة ليست قدراً لازماً. إن هزيمة “المخططات الخارجية” تبدأ بتجفيف منابع الصراع الداخلي. فالدولة التي تمتلك مشروعاً وطنياً جامعاً تتحول من “ساحة صراع” للآخرين إلى “لاعب فاعل” يفرض شروطه في الساحة الدولية. العلاج مرّ لكنه المسار الوحيد لضمان بقاء السودان موحداً على الخريطة السياسية والجغرافية.



