مقالات وآراء

نحو سلامٍ يبدأ من الوعي: السودان بين تعقيد الحرب وتأجيل الأسئلة الكبرى

د. صلاح أحمد الحبو

ليست الحرب السودانية مجرد صراعٍ عسكري بين قوتين مسلحتين، بل أزمة دولة ووعي ومعنى. فمنذ اندلاع حرب أبريل 2023 بدا واضحًا أن ما ينهار ليس فقط مؤسسات الدولة، بل الفكرة الوطنية نفسها؛ تلك التي عجزت النخب السياسية والعسكرية لعقود عن تحويلها إلى مشروع جامع يتجاوز الانقسامات الجهوية والقبلية والأيديولوجية.

لقد تابع السودانيون يوميات الحرب بوصفها حدثًا عسكريًا: مدن تسقط، وملايين ينزحون، واقتصاد ينهار، وخدمات تتفكك. لكن السؤال الأعمق ظل مؤجلًا: لماذا أصبح السودان قابلًا لهذا الانفجار أصلًا؟ وكيف تحولت التناقضات السياسية والاجتماعية إلى بنية دائمة للعنف؟

تكمن خطورة الأزمة في أن كثيرًا من القراءات تعاملت مع الحرب بوصفها حادثة طارئة، لا نتيجةً لتراكم تاريخي طويل من فشل بناء الدولة، واختلال توزيع السلطة والثروة، وإدارة التنوع بالقوة بدل العدالة. ولهذا لم تعد الأزمة مجرد مواجهة بين الجيش والدعم السريع، بل تعبيرًا عن هشاشة المركز، وضعف المؤسسات، وعجز النخب عن إنتاج عقد وطني مستقر.

وفي قلب هذا المشهد يظهر ما يمكن تسميته بـ “الوعي المؤجل”[1]؛ أي تأخر المجتمعات في إدراك جذور أزماتها حتى تتحول إلى كارثة عامة. فالسودان ظل لسنوات يؤجل أسئلته الكبرى: سؤال الهوية، والعدالة، والعلاقة بين المركز والهامش، وطبيعة الدولة المدنية، وحدود دور المؤسسة العسكرية. وحين تُؤجل الأسئلة، تتكفل الحرب بالإجابة عنها بطريقة دامية.

لقد كشفت الحرب أن الدولة السودانية لم تنجح في احتكار المجال السيادي أو بناء ولاء وطني متماسك، فظهر ما يمكن وصفه بـ “التشظّي السيادي”[2]؛ حيث توزعت السلطة الفعلية بين مراكز عسكرية واقتصادية وجهوية متعددة، بينما تراجع حضور الدولة إلى مجرد اسم فوق جغرافيا ممزقة.

غير أن أخطر آثار الحرب لا تُقاس فقط بالخسائر المادية، بل بتحولاتها النفسية والاجتماعية. فالحرب الطويلة تعيد تشكيل الإنسان نفسه؛ تنتج وعيًا خائفًا، سريع التصنيف، منهكًا من التفكير، وأكثر قابلية لتقبّل العنف. ومع الزمن تنشأ حالة “اعتياد الخراب”[3]، حين يصبح الدمار مشهدًا يوميًا مألوفًا، وتتراجع الحساسية الأخلاقية تجاه الموت والانهيار.

كما أن تعقيد الأزمة السودانية لا ينفصل عن البيئة الإقليمية والدولية المحيطة بها. فالسودان لم يعد ساحة داخلية خالصة، بل نقطة تقاطع لمصالح أمنية واقتصادية وجيوسياسية متشابكة، ما يجعل أي تسوية محلية معزولة عن هذا السياق ناقصة وقابلة للانهيار.

ورغم ذلك، فإن الحروب الكبرى تحمل أحيانًا فرصة قاسية لإعادة التفكير. إذ بدأ كثير من السودانيين يدركون أن منطق الغلبة العسكرية لا يبني دولة، وأن أي “انتصار” في حرب كهذه يخلّف وطنًا هشًا ومجتمعًا مثقلًا بالكراهية والخوف.

لهذا فإن السلام الحقيقي لا يبدأ من الاتفاقات السياسية وحدها، بل من مراجعة الوعي الذي أنتج الأزمة. يبدأ من الاعتراف بأن السودان لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق نار، بل إلى إعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، وبين القوة والشرعية، وبين التنوع والوحدة.

إن الكتابة عن جذور الأزمة ليست ترفًا فكريًا، بل ضرورة أخلاقية وسياسية. فالأمم التي لا تواجه تاريخها بصدق تظل محكومة بإعادة إنتاجه. وما يحتاجه السودان اليوم ليس خطاب تعبئة جديدًا، بل وعيًا نقديًا قادرًا على تفكيك أسباب الحرب بدل الاكتفاء بوصف نتائجها.

ربما يكون السلام أقرب مما يبدو، لكن طريقه لا يمر عبر السلاح وحده، بل عبر شجاعة الاعتراف، وإعادة بناء اللغة الوطنية، واستعادة الإنسان من داخل ركام الخوف والانقسام.

⸻

هوامش المصطلحات

[1] الوعي المؤجل:
تأخر إدراك المجتمعات للأسباب البنيوية للأزمة حتى تتحول إلى كارثة شاملة.

[2] التشظّي السيادي:
تفكك احتكار الدولة للسلطة وتوزع النفوذ بين قوى متعددة داخلية وخارجية.

[3] اعتياد الخراب:
تكيف المجتمع نفسيًا وأخلاقيًا مع العنف المستمر حتى يصبح أمرًا مألوفًا.

⸻

المراجع والمصادر
1. The Logic of Violence in Civil War – Stathis N. Kalyvas.
2. Ripeness: The Hurting Stalemate and Beyond – I. William Zartman.
3. Imagined Communities – Benedict Anderson.
4. تقارير International Crisis Group حول الحرب السودانية.
5. تقارير United Nations High Commissioner for Refugees بشأن النزوح واللجوء السوداني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..