مقالات وآراء

الانتقال الآمن: بناء نظام رئاسي انتقالي على رافعة الفيدرالية التنموية

 

بروفيسور ابراهيم أحمد البدوى عبد الساتر ودكتور عصام الدين عباس أحمد
مقدمة
الإستحقاق الوطنى السودانى الأبرز، الذى يتوجب مقاربته بإلحاح حتى قبل إنهاء الحرب، هو تعزيز الانتقال المدنى الديمقراطى المأمول وتثبيت الحالة الانتقالية داخل ذلك “الممر الضيق” المفضى إلى التعزيز المتبادل لقوة المجتمع وقوة الدولة، وبالتالى الانعتاق من أسر “المتلازمة السودانية” التى أقعدت بالمشروع الوطنى السودانى، والمتمثلة فى الحلقة العدمية المفرغة بين الحكومات الديمقراطية قصيرة الأجل والانقلابات العسكرية المفضية إلى أنظمة استبدادية متطاولة، يتم إسقاطها فى نهاية المطاف بواسطة الانتفاضات الشعبية، لتؤسس بدورها لحكومات ديمقراطية هشة ومتشاكسة، لا تلبث أن تُطاح بانقلابات جديدة، بينما تفشل الحكومات المدنية الديمقراطية والعسكرية، على حد سواء، فى التوصل إلى حلول سلمية مستدامة للنزاعات والحروب الأهلية التى طبعت مسيرة البلاد منذ الاستقلال على مدى سبعة عقود أو يزيد.
وغنى عن القول إن إعادة بناء الدولة السودانية بعد هذه الحرب الماحقة تتطلب حزمة من الإصلاحات المؤسسية الشاملة فى سياق عقد اجتماعى متين، يبدأ بمحورى الإصلاح الأمنى والعدالة الانتقالية، باعتبارهما ركيزتين متلازمتين لأى انتقال ناجح يستند إلى تعديل موازين القوى، بما ينهى هيمنة النخب العسكرية-المليشياوية لصالح القوى المدنية الديمقراطية، بحيث تتمكن البلاد من الولوج إلى ذلك “الممر الضيق” نحو الحرية والتطور.
كذلك، تبرز الحاجة إلى توأمة “الشرعية السياسية” – التى قامت عليها الانتقالات السودانية السابقة – مع “شرعية اقتصادية” ملزمة، تقوم على التوافق حول مشروع تحول اقتصادى نهضوى يخاطب جذور أزمة الحروب الأهلية وعدم الاستقرار السياسى، والمتمثلة فى التخلف الاقتصادى والتفاوت التنموى على المستويين الجهوى والهوياتى.
أيضاً، فإن الدمار الذى أحدثته هذه الحرب الماحقة لم يقتصر على الحجر، أو على حياة الإنسان السودانى وسبل عيشه – على فداحة ذلك – بل طال كذلك النسيج المجتمعى ذاته.
ومن ثم، لا يمكن إعادة بناء اللُحمة القومية الجامعة من دون تبنى “سردية وطنية” قوية وناجزة، تقوم على ترسيخ قيم المواطنة والتعددية والعدالة، وفى الوقت نفسه تحريم وقمع السرديات الغرائزية الجهوية-الإثنية المدمرة.
ومع ذلك، وحتى فى ظل هذه الاستحقاقات الآنفة، يبقى تحدى استدامة التحول الديمقراطى المدنى ماثلاً، خاصة بالنظر إلى التعقيدات الهائلة وغير المسبوقة التى أفرزتها هذه الحرب، مقارنة بالانتقالات السابقة التى أعقبت الثورات الشعبية الثلاث: أكتوبر 1964، ومارس-أبريل 1985، وديسمبر 2018.
وعليه، نحاجج فى هذا المقال بضرورة تبنى ثلاثة تحولات مؤسسية رئيسية، ومسار انتقالى مترتب عليها:
• نظام “تنفيذى-تشريعى” هجين من أجل الإستقرار والإنتقال التنموى
• “فيدرالية تنموية” على أساس الأقاليم ومحليات “المدن المنتجة”
• حكومات وحدة وطنية لإنجاز المشروع النهضوي
كذلك، وحتى يتأتى تنزيل النظام الدستورى المقترح فى سياق مسار انتقالى ناجز، لا بد من مراعاة التدرج اللازم لبناء توافق مرحلى يسبق بناء الشرعية الدستورية عبر التفويض الشعبى.
فهناك من يرى ضرورة اعتماد فترة انتقالية طويلة (خمس سنوات، كما اقترح تحالف “صمود” مثلاً)، لضمان الانتقال إلى الشرعية الانتخابية على أسس متينة، بعد إنجاز استحقاقات إزالة التمكين وإعادة بناء القوات النظامية والمؤسسات العدلية والخدمة المدنية، بما يتواكب مع أهداف ثورة ديسمبر المجيدة.
وفى المقابل، ترى بعض القوى المدنية الأخرى أن الفترة الانتقالية يجب ألا تتجاوز عاماً واحداً، بحجة ضرورة الاحتكام إلى الشعب لانتخاب حكومة مفوَّضة لإنجاز الأجندة الوطنية ذات الصلة.
وبرأينا، فإن تأسيس الحكم المدنى الانتقالى يمكن أن يُبنى على مرحلتين، تشكلان مقاربة توفيقية بين هاتين الرؤيتين.
الأولى عبارة عن ترتيبات توافقية تُدار بواسطة حكومة تصريف أعمال ومجلس سيادى محدود الصلاحيات، وتمتد لعام واحد فقط.
أما المرحلة الثانية، فتقوم على الشرعية الانتخابية وبناء النظام السياسى الجديد، استناداً إلى التحولات المؤسسية الثلاث المشار إليها أعلاه.
أولاً، لماذا نظام “تنفيذى-تشريعى” هجين من أجل الإستقرار والإنتقال التنموى؟
تكشف التجربة السودانية الحديثة، وربما منذ الاستقلال، عن أزمة بنيوية عميقة فى طبيعة النظام السياسى الذى حكم البلاد.
فقد أفضى النظام البرلمانى، المستلهم بصورة شبه حرفية من نموذج وستمنستر البريطانى، إلى حكومات ائتلافية قصيرة العمر، ضعيفة التماسك، أسيرة للمساومات الحزبية والانقسامات الجهوية والطائفية، وعاجزة عن اتخاذ قرارات استراتيجية تتطلبها قضايا الحرب والسلام والتحول الاقتصادى والتنمية.
وفى المقابل، قادت الانقلابات العسكرية المتكررة إلى أنظمة رئاسية استبدادية كرست احتكار السلطة، وأضعفت المؤسسات، وأعادت إنتاج الحرب الأهلية والاستقطاب المجتمعى.
ومن ثم، فإن التحدى الحقيقى لا يتمثل فقط فى الانتقال من الحكم العسكرى إلى الحكم المدنى، بل فى إعادة تصميم النظام السياسى نفسه بصورة تكسر الحلقة العدمية التى ظلت تعيد إنتاج الفشل والانقلابات وعدم الاستقرار.
فى هذا السياق، تبرز الحاجة إلى نظام “تنفيذى-تشريعى” هجين، يجمع بين مزايا الاستقرار التنفيذى الذى توفره الرئاسة المنتخبة شعبياً، وبين المساءلة البرلمانية والرقابة الديمقراطية.
فالسودان الخارج من حرب مدمرة، والمنهك بانقسامات جهوية وإثنية عميقة، يحتاج إلى سلطة تنفيذية مستقرة نسبياً وقادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية طويلة الأجل تتعلق بإعادة الإعمار والإصلاح الأمنى والتحول الاقتصادى، دون أن تكون رهينة لتقلبات الائتلافات البرلمانية الهشة.
وفى الوقت نفسه، فإن التجربة التاريخية السودانية تجعل من الضرورى وجود مؤسسات تشريعية وقضائية قوية تحول دون انزلاق الرئاسة مجدداً إلى السلطوية.
وعليه، فإن النظام الهجين – على غرار النموذج الفرنسى – قد يكون الأنسب للحالة السودانية، حيث يتعايش رئيس منتخب مباشرة من الشعب مع رئيس وزراء يستند إلى الأغلبية البرلمانية.
فالرئيس يضطلع بالوظائف السيادية العليا، مثل حماية الدستور والإشراف على الأمن القومى والسياسة الخارجية، بينما تتولى الحكومة إدارة الاقتصاد والسياسات الداخلية وشئون الحكم الاتحادى.
ويتيح هذا الترتيب تحقيق توازن ضرورى بين الاستقرار التنفيذى وتقييد السلطة، كما يخفف من طبيعة “اللعبة الصفرية” التى ظلت تطبع الصراع السياسى السودانى.
كما أن تبنى مجلسين تشريعيين يشكل جزءاً أساسياً من هذا التصور المؤسسى.
فالمجلس الأعلى يمثل الأقاليم بالتساوى، بما يضمن مشاركة عادلة لها فى اتخاذ القرارات السيادية والتشريعية الكبرى، بينما يعكس المجلس الأدنى الوزن السكانى للأقاليم المختلفة.
وبهذا، تتحقق معادلة مزدوجة تجمع بين العدالة الجهوية والتمثيل الديمقراطى السكانى، بما يحد من هيمنة المركز التاريخية ويعزز الوحدة الوطنية على أساس الشراكة المؤسسية.
وتؤكد التجارب المقارنة أهمية هذا الخيار بالنسبة لسودان ما بعد الحرب.
ففرنسا استطاعت عبر الجمهورية الخامسة تجاوز أزمة الحكومات الائتلافية غير المستقرة، بينما نجحت البرتغال بعد ثورة القرنفل فى بناء ديمقراطية مستقرة فى ظل نظام شبه رئاسى حافظ على التوازن بين الرئاسة والحكومة المنتخبة.
وحتى التجربة الغانية، رغم طابعها الرئاسى، تُظهر كيف يمكن للرئاسة أن تتحول إلى أداة للاستقرار والتنمية إذا قُيدت بمؤسسات دستورية مستقلة وقضاء فعّال وهيئات انتخابية نزيهة.
بالمقابل، فإن تعثر تجارب مثل نيجيريا وأوكرانيا يكشف أن الهندسة الدستورية وحدها لا تكفى، ما لم تُدعَم بثقافة مؤسسية، ونظام حزبى منضبط، وعدالة فى توزيع الموارد والصلاحيات.
لذلك، فإن النظام “التنفيذى-التشريعى” المقترح لا يمثل مجرد تعديل دستورى تقنى، وإنما يشكل أحد أعمدة مشروع إعادة تأسيس الدولة السودانية نفسها، عبر بناء توازن جديد بين الاستقرار والديمقراطية، وبين السلطة المركزية وتمثيل الأقاليم، بما يسمح بتثبيت الانتقال المدنى داخل ذلك “الممر الضيق” الذى يحمى البلاد من العودة إلى الاستبداد أو الانهيار.

تعليق واحد

  1. هذا هو تطويري لرؤية الاستاذين الجليلين ومحاولة لايجاد صيغة عملية لتنفيذ رؤيتهما مع تعديلات تضمن تفعيل القاعدة الشعبية صاحبة الحق الاصيل في ادارة شئونها بما يتوافق مع مصالخها وايصال صوتها عبر ممثليها المنتخبين محليا عبر ادوات النفير لضمان فعاليتهم ( حيث اثبتوها عبر العمل وسط اهاليهم في اعادة البناء) وموثوقيتهم وخلوهم من شبهات الفساد التي سممت اجواء السياسة السودانية.

    ميثاق النفير الوطني: نحو عقد اجتماعي سوداني جديد

    “من القاعدة إلى القمة.. إعماراً وإنتاجاً”

    الديباجة:

    إن الخروج من دائرة الفشل التاريخي والحرب الماحقة يتطلب تجاوز صيغ “المحاصصة الفوقية” إلى رحاب “البناء الشعبي الأصيل”. يستند هذا الميثاق إلى عبقرية الإنسان السوداني في **”النفير”**، وإلى إرث الإدارة المحلية الرصين، لبناء نظام سياسي يحمي الدولة من الاستبداد ويحقق التنمية من قلب المحليات.

    البند الأول: هيكلية الدولة (العودة للأصول الإدارية)

    1. **إلغاء نظام الولايات الحالي:** يُلغى التقسيم الولائي الذي كرس القبلية والترهل الإداري.
    2. **إعادة الترسيم الإقليمي:** يُعاد تقسيم السودان إلى أقاليم كبرى (بمرجعية الأقاليم التاريخية) لضمان التكامل الاقتصادي والمالي.
    3. **اعتماد خارطة المحليات:** تُعتمد المحليات كما تحددت في قانون الحكم المحلي (فترة السبعينات/نميري) كأصغر وحدة إدارية وتنموية وقانونية، لكونها الأكثر تعبيراً عن الجغرافيا البشرية والإنتاجية للسودان.

    البند الثاني: السلطة التشريعية (البناء من القاعدة إلى القمة)

    1. **المجالس المحلية (الأساس):** يتم انتخاب مجالس المحليات عبر **الاقتراع الحر المباشر** من سكان القرى والأحياء. تُعنى هذه المجالس بالخدمات، الأمن المحلي، والإنتاج.
    2. **التصعيد الديمقراطي:** يتم تصعيد ممثلي الأقاليم في “المجلس الأعلى للأقاليم” (الغرفة الثانية في البرلمان) من خلال هذه المجالس المنتخبَة، لضمان ارتباط القمة بالقاعدة.
    3. **الانتخاب المباشر:** يختار الشعب عبر صناديق الاقتراع ممثليه في الجمعية الوطنية (المجلس الأدنى) ورئيس الجمهورية، لضمان التفويض الشعبي الكامل.

    البند الثالث: الفلسفة الاقتصادية (نظام النفير التنموي)

    1. **النفير كآلية تنفيذية:** يُعتبر “النفير” هو الوسيلة الرسمية والشعبية لإعادة الإعمار. تلتزم الدولة بتوفير الآليات والمواد، بينما يتولى المجتمع المحلي عبر مجالسه تنظيم الجهد البشري.
    2. **المدن والمحليات المنتجة:** تتحول كل محلية (وفق تقسيم نميري التاريخي) إلى وحدة إنتاجية متخصصة (زراعية، صناعية، أو رعوية)، وتُمنح سلطة إدارة مواردها المحلية بنسبة 60% لضمان التنمية المحلية.
    3. **الشرعية التنموية:** تُقاس كفاءة الحكومة الانتقالية بمدى نجاحها في تحويل النفير الشعبي إلى “نهضة إنتاجية” تكسر حدة الفقر والارتهان للخارج.

    البند الرابع: النظام التنفيذي (الاستقرار والمساءلة)

    1. **النظام الهجين:** رئيس منتخب يمثل سيادة الدولة وحامي الدستور، ورئيس وزراء مفوض من البرلمان (المنتخب قاعدياً) لإدارة الاقتصاد والخدمات.
    2. **حكومة الوحدة البرامجية:** تشكيل حكومة كفاءات وطنية تلتزم ببرنامج “إسعاف وطني” لمدة عامين، تركز على الأمن، العدالة الانتقالية، وتفعيل دور المحليات.

    البند الخامس: الانتقال الآمن (المراحل الزمنية)

    * **المرحلة الأولى (العام الأول):** “عام المحليات والنفير”. التركيز على وقف الحرب، إعادة النازحين، وإجراء انتخابات المحليات (القاعدة) لإعادة الحياة للدورة الإدارية.
    * **المرحلة الثانية (العامان التاليان):** “عام التأسيس الدستوري”. انتخاب رئيس الجمهورية والبرلمان القومي بناءً على القواعد الإدارية التي تم تثبيتها في العام الأول، وإطلاق المشاريع التنموية الكبرى.

    البند السادس: حماية الانتقال

    * **تجريم التمكين:** تُحرم ممارسة السياسة على أساس إثني أو طائفي أو جهوي.
    * **قومية المؤسسات:** إعادة بناء الجيش والمؤسسات العدلية كأجهزة قومية مهنية تحمي خيارات الشعب المعبر عنها عبر “المجالس القاعدية”.

    خاتمة الميثاق:
    إن هذا النموذج يزاوج بين “قوة الدولة”في التخطيط و”قوة المجتمع” في النفير. إن بناء السودان من القاعدة (المحلية) إلى القمة (الرئاسة) هو الضمان الوحيد لعدم تكرار الانقلابات، لأن السلطة ستكون مغروسة في الأرض، يحميها المواطن الذي انتخب جاره في مجلس المحلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..