مقالات وآراء

حين يُدار التعليم بالعُقد الصغيرة… مأساة المعلم في ولاية الجزيرة

حسن عبد الرضي الشيخ

في بلادٍ كان يُفترض أن يكون فيها المعلم مرفوع الرأس، مهاب الكلمة، عزيز المقام، تحوّلت إدارات التعليم في ولاية الجزيرة إلى ساحاتٍ لتصفية الحسابات، وتوزيع الولاءات، ومعاقبة أصحاب المواقف الحرة. لم تعد القضية قضية تعليم، ولا قضية امتحانات، ولا حتى قضية لوائح إدارية… بل أصبحت قضية كرامة تُداس بالأقدام، ومهنةٍ تُهان على أيدي من لا يملكون من القيادة إلا الألقاب الفارغة.
وتبدأ الحكاية برسالة صادقة من زميلٍ عزيز من وحدة ود راوة بمحلية شرق الجزيرة، رسالة لا تحكي قصة فرد، بل تفضح واقعًا كاملًا من الانهيار الأخلاقي والإداري الذي أصاب جسد التعليم في ولاية الجزيرة. يحكي زميلي العزيز مأساة التعليم الحقيقي… ذلك التعليم اليتيم الذي تُقدَّم فيه الأقزام على عمالقة المعلمين، ويُقصى فيه أصحاب المواقف، بينما يتصدر المشهد من تنعدم فيهم النخوة والشخصية والاستقلالية.
قبل شهر تقريبًا من انطلاق امتحانات المرحلة المتوسطة، التي تبدأ أولى جلساتها في العاشر من مايو ٢٠٢٦، تلقى الزميل اتصالًا هاتفيًا من مشرف وحدة ود راوة يطلب منه الحضور في اليوم التالي، بعد أن تم اختياره كبيرًا للمراقبين بأحد المراكز. لم يطلب الرجل المنصب، ولم يسعَ إليه، ولم يطرق أبواب المسؤولين طلبًا للتكليف، بل جاءه القرار من الإدارة نفسها.
ذهب الرجل في الصباح الباكر إلى ود راوة، وتحرك مع مجموعة من المعلمين والمعلمات إلى رفاعة لحضور ورشة لائحة الامتحانات. يوم كامل من الالتزام والانضباط والمسؤولية. حضر الورشة، واستمع للتوجيهات، وعاد إلى منزله باعتباره مكلَّفًا رسميًا بمهمة قومية تتطلب الجدية والخبرة والانضباط.
حتى هنا تبدو الأمور طبيعية. لكن مع إداراتٍ تُدار بالعقلية الأمنية والوشايات الصغيرة، لا يمكن أن تستمر الأمور طبيعية زمنا طويلًا. فقبل أيام قليلة من الامتحانات، يتلقى الزميل اتصالًا غير من أحد المعلمين يخبره بأن اسمه قد يتم استبعاده من تكليف “كبير المراقبين” فقط لأنه من أعضاء لجنة المعلمين السودانيين.
هكذا ببساطة! حسب ما تناهى الى سمع المعلم الذي اوصل الرسالة الى الزميل العزيز. لا بسبب ضعفٍ مهني. ولا بسبب تقصير. لا بسبب مخالفة. بل بسبب موقف نقابي وفكري. أي انحدار هذا الذي وصلت إليه إدارات التعليم؟ وأي قاعٍ أخلاقي يجعل الانتماء المهني الحر جريمة تستوجب العقاب؟
الزميل العزيز، بكل احترام، اتصل بالمشرف ليستوضح الأمر، وليطمئن على ترتيبات المركز، خاصة أنه طلب مساعدًا قويًا يعينه في المهمة. لكن المشرف ظل يماطل، ويتلعثم، ويختبئ خلف عبارة: “الكشف لم يظهر بعد”. وما أدراك ما الإداري المرتعش! ذلك الذي لا يملك شجاعة القرار، ولا حتى شجاعة الاعتذار. ثم، وقبل يومين فقط، جاءت الطعنة الباردة: “نحن اخترناك مصححًا وأعفيناك من تكليف كبير المراقبين.”
أي عبث هذا؟ وأي استخفاف بعقول المعلمين؟ إذا كان الرجل صالحًا لأن يكون كبيرًا للمراقبين حين حضر الورشة، فكيف أصبح فجأة غير صالح؟ ومن الذي غيّر القرار؟ ولمصلحة من؟ ومن صاحب اليد الخفية التي تعبث بالتكليفات وكأنها غنائم حرب؟ إنها ليست إدارة تعليم… إنها إدارة خوف. خوف من المعلم الحر. وخوف من صاحب الشخصية. وخوف من كل من لا يركع.
لقد كان رد الزميل العزيز شجاعًا وحاسمًا، حين واجه المشرف بالحقيقة المرة: أن الإداري الذي لا يحترم قراره، ولا يملك الثبات على موقفه، ليس جديرًا بالاحترام. وأن الشخصية المهزوزة لا يمكن أن تصنع مؤسسة محترمة. وأن الذين يصفّق لهم اليوم مقابل ظلم زملائهم، سيدوسون عليه غدًا بلا رحمة. وهذه هي الحقيقة التي يجب أن تُقال بصوتٍ عالٍ: إن بعض إدارات التعليم في ولاية الجزيرة لم تعد تدير التعليم، بل تدير شبكات من الولاءات الصغيرة، والرضوخ الرخيص، وتصفية الحسابات ضد المعلمين الشرفاء. لقد تحولت الوظائف والتكليفات إلى أدوات عقاب. وأصبح المطلوب من المعلم ألا يكون كفؤًا، بل أن يكون مطيعًا. ألا يكون صاحب رأي، بل صاحب رأس منخفض. ألا يدافع عن حقوقه، بل يبتلع الإهانة صامتًا.
لكن ما لا يفهمه هؤلاء أن المعلم الجسور أخطر عليهم من ألف منشور. وأن الكلمة الحرة أقوى من كل المناصب المؤقتة. وأن التاريخ لا يحترم الجبناء مهما علت كراسيهم.
إن موقف هذا الزميل العزيز ليس موقفًا شخصيًا عابرًا، بل هو بداية ضرورية لاسترداد كرامة المعلم السوداني. فالحقوق لا تُوهب للساكتين، والكرامة لا يحرسها الخائفون. إنها ليست مجرد قصة تكليف أُلغي… بل قصة نظامٍ إداري كامل فقد احترامه لنفسه قبل أن يفقد احترام الناس له.
وإذا استمرت إدارات التعليم في ولاية الجزيرة في معاقبة أصحاب المواقف، وتقديم ضعاف الشخصية وأصحاب التقارير والهمسات، فإنها لا تهد ظهر المعلمين وحدهم… بل تهدم ما تبقى من هيبة التعليم نفسه. وليعلم هؤلاء: أن زمن المعلم الذي يُصفع ثم يبتسم قد بدأ في الانتهاء. وأن جيلًا جديدًا من المعلمين بدأ يرفع صوته عاليًا: لا للطغيان الإداري، لا لتصفية الحسابات، لا لإذلال أهل الرسالة.
فالسكوت الطويل لا يعني الرضا… بل يعني أن الانفجار حين يأتي، سيكون مدويًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..