مقالات وآراء

صوت البادية

الأزمة السودانية: أزمة نخب أم مجتمع؟
الأزمة السودانية المستفحلة، والتي تزداد سوءًا بوتيرة هندسية منذ تكوين الدولة السودانية، تحتاج إلى تشريح علمي دقيق لمعرفة أسبابها قبل البحث عن علاجها. وقد دفعت هذه الأسباب كثيرًا من الباحثين والمفكرين إلى الغوص في جذور الأزمة ومحاولة تشخيصها بصورة موضوعية.
وقد شخّص بعض الكتّاب والمفكرين هذه الأزمة بأنها أزمة نخب، كما ذهب إلى ذلك المفكر الراحل منصور خالد في كتاباته المعروفة، وعلى رأسها كتاب النخب السودانية وإدمان الفشل. وربما تتحمل النخب جانبًا كبيرًا من هذا الوزر، لأنها لم تستطع خلق رؤى واستراتيجيات قادرة على قيادة البلاد نحو التطور والاستقرار. كما أن هذه النخب، في كثير من الأحيان، انشغلت بصراعاتها ومصالحها الذاتية أكثر من انشغالها بقضايا الوطن.
لكن، وفق قناعتي، فإن النخب لا تتحمل الفشل وحدها؛ إذ إن بناء الدولة السودانية نفسه جاء ناقصًا منذ الاستقلال، الذي ركّز على بندين أساسيين هما: سودنة الخدمة المدنية، واستقلال جامعة الخرطوم عن كلية غردون، دون وضع مشروع وطني متكامل لبناء الدولة الحديثة. وقد أفرز ذلك واقعًا مختلًا تصدّرته نخب ذات عقلية انتهازية، عجزت عن تكوين أجسام سياسية أو مهنية قادرة على صناعة استراتيجيات ورؤى تخاطب الأزمات السودانية في بيئتيها الداخلية والخارجية. ولذلك أصبح السودان أشبه بدولة ائتلاف لقبائل وطوائف متصارعة.
وكما أسلفنا، فإن النخب ليست وحدها من تتحمل مسؤولية الأزمة، بل إن المجتمع أيضًا يتحمل جانبًا من هذا العبء؛ إذ لم تستطع قطاعات واسعة من المجتمع الانفكاك من أسر القبلية والطائفية. وبحسب رؤيتي، فإن حالتي الاستغفال والاستهبال ظلتا حاضرتين داخل هذه الأطر الاجتماعية، حيث نجد أن بعض زعماء القبائل قد وفّروا لأبنائهم فرص التعليم في أرقى الجامعات، بينما أقنعوا قواعدهم بأن التعليم النظامي غير ذي جدوى، بل وأصدروا فتاوى وآراء تتماشى مع بساطة الناس وجهلهم.
كما أن الأمر لا يختلف كثيرًا في بعض الطرق الصوفية، حيث يعيش الشيخ وأبناؤه في وضع اجتماعي مميز، ويتصدر أبناؤه المشهد بوصفهم ورثة للزعامة، بينما يظل الأتباع أسرى الطقوس والمظاهر التقليدية، دون أي إسهام حقيقي في نهضة المجتمع أو تطويره.
إن إصلاح الدولة السودانية لا يمكن أن يتحقق إلا عبر إصلاح سياسي ومجتمعي ومفاهيمي شامل، يعيد بناء الإنسان السوداني على أسس الوعي والمعرفة والمواطنة.
وثمة أسئلة تظل حاضرة في الذاكرة:
لماذا غابت مناهج البحث العلمي والعلماء عن صدارة المشهد السياسي؟
من الذي أوصل السودان إلى هذه الوضعية التي تزداد أزماتها تعقيدًا مع مرور الزمن؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..