بين الحزب الشيوعى والحركة الإسلامية

شاهدتُ فيديو للقيادى الإسلامى أمين حسن عمر وهو يتحدث بأريحية عن القواسم المشتركة بين الحزب الشيوعى والحركة الإسلامية.
وبرغم ضعف دائرة البث الجماهيرى للحزب الشيوعى وسط مجتمع يشكل الدين نسيجه المعرفى والثقافى، إلا أن ادعاءه امتلاك “مناهج علمية” لقراءة الواقع يشبه، فى جانب منه، الادعاءات الأخلاقية التى رفعتها الحركة الإسلامية السودانية عن نفسها.
ولعل أكثر ما يجمع بين الطرفين هو الميل إلى التحشيد السياسى على حساب المبادئ المعلنة لدى كل منهما.
فلا حاجة للتذكير بما انتهت إليه تجربة الإسلاميين فى الحكم طوال ثلاثة عقود ونصف من التمكين والفساد والحروب والقمع، بما كشف المفارقة العميقة بين الشعارات الدينية والممارسة السياسية.
كما أن علاقة الإسلاميين الوثيقة بإيران، على سبيل المثال، توضح حجم التناقض مع خطاب “السنة والجماعة” الذى ظلوا يرفعونه، فى الوقت الذى يعتبر فيه التيار السلفى التقليدى أن التشيع الاثنى عشرى انحراف عن العقيدة.
وهكذا يصبح التحشيد السياسى وتوسيع النفوذ مقدماً على الثوابت الفكرية والعقدية نفسها.
أما الحزب الشيوعى، فقد سعى بدوره إلى التحشيد من أجل بناء “الجبهة الديمقراطية” باعتبارها الأداة القادرة على إنجاز المشروع الوطنى الديمقراطى.
غير أن أحداث معهد المعلمين فى منتصف ستينيات القرن الماضى، وما تبعها من حل الحزب الشيوعى وطرد نوابه المنتخبين من البرلمان، تركت آثاراً عميقة ومدمرة على الحياة الداخلية للحزب.
فمنذ تلك اللحظة، صار الحديث عن الدين داخل الحزب يُنظر إليه باعتباره “ثرثرة برجوازية صغيرة حائرة وقلقة”، وتراجع المناخ النقدى الذى كان من المفترض أن يراجع المسلمات والثوابت، بل انفصل الحزب تدريجياً عن بعده الإبستمولوجى والمعرفى.
وهكذا تحولت أفكار المرحوم عبد الخالق محجوب حول “إصلاح العمل وسط الجماهير” إلى مجرد غطاء لرهان كامل على التحشيد، أكثر من كونها مشروعاً حقيقياً للتنوير واحترام المعتقدات.
فقد أصبحت الأولوية لتوسيع النفوذ الجماهيرى وبناء التحالفات السياسية، انطلاقاً من الفكرة الماركسية التقليدية التى ترى أن البناء الثقافى، بما فيه الدين، ليس سوى تابع للبناء التحتى المتمثل فى علاقات الإنتاج وقواه.
وبذلك جرى التعامل مع قضايا مثل التعايش السلمى، والحريات، وحقوق المرأة، والأقليات، والعنصرية، باعتبارها نتائج حتمية ستُحل تلقائياً بمجرد إنجاز “الثورة الوطنية الديمقراطية”.
وهنا تكمن خطورة تغليب التحشيد على التوعية والتنوير، إذ تصبح الثقافة والنقد الفكرى مجرد أدوات ثانوية مؤجلة إلى ما بعد تحقيق السلطة أو المشروع السياسى الأكبر.
لقد عمّقت أحداث معهد المعلمين هذه النزعة داخل الحزب، فضعف صوته التنويرى، بينما كان الخيار الذى ربما يقطع الحبل السرى المشترك بينه وبين الإسلاميين هو إحياء فكرة “الحزب الطليعى” بدلاً عن الحزب الشيوعى التقليدى، إذا كان الهدف حقاً هو السعى إلى شرعية القبول المجتمعى وتوسيع دائرة البث الفكرى.
ويشير البروفيسور فاروق محمد إبراهيم، فى مقاله بمجلة “دراسات سودانية” بعنوان “صعود وانهيار المشروع الوطنى الديمقراطى”، إلى أن فكرة إنشاء حزب طليعى بدلاً عن الحزب الشيوعى كانت قد طُرحت بالفعل من جانب عبد الخالق محجوب نفسه، وأجيزت فى المؤتمر الرابع للحزب.
لكن عبد الخالق تراجع عنها بعد ستة أشهر فقط من عودته من الاتحاد السوفيتى، ليتحول المؤتمر الرابع، بأثر رجعى، إلى مجرد مؤتمر تداولى، باعتبار أن ما حدث كان “انحرافاً يمينياً”، وليشكر عبد الخالق لاحقاً “الرفاق السوفيت على النصيحة”.



