مقالات وآراء

خريف الجنرالات وتصدع “الجنجويد” هل بدأت رحلة العودة من الجحيم؟

محمد صالح محمد

لم يكن مشهد انسحاب القائد “النور القبة” قبل أسابيع، ولحلق به “علي رزق الله” (السافنا) به بالأمس مجرد حوادث عابرة في دفتر يوميات الحرب السودانية الملطخة بالدماء؛ بل هي زلازل ارتدادية تضرب “العمود الفقري” البشري والقبلي الذي قامت عليه قوات الدعم السريع. إنها لحظة استثنائية يمتزج فيها التحليل السياسي بمرارة الحزن على وطن يتآكل بينما يعود “أبناء الصحراء” إلى رشدهم أو يبحثون عن مأمن في سفينة توشك على الغرق.
النور القبة والسافنا سقوط الأساطير الميدانية :
عندما أعلن اللواء النور أحمد آدم (النور القبة) في 13 أبريل 2026 انسلاخه من الدعم السريع والتحاقه بالجيش السوداني لم يكن يخرج بمفرده بل كان يجرّ خلفه إرثاً طويلاً من القتال في الفاشر ودارفور وكردفان. “القبة” ليس مجرد قائد ميداني بل هو أحد المؤسسين الأوائل وانسحابه يعني أن “التصدع” وصل إلى الجذور التي رويت بوعود السلطة والسيطرة.
أما بالأمس فجاءت ضربة “السافنا” (علي رزق الله) لتكمل المشهد. السافنا ذلك المقاتل الشرس الذي ارتبط اسمه تاريخياً بـ”حرس الحدود” وبصراعات دارفور المعقدة أعلن خروجه من صفوف الدعم السريع. ورغم أن نبرة “السافنا” كانت مائلة نحو “الانحياز لإرادة الشعب” والبحث عن مسارات السلام بعيداً عن التبعية العسكرية لأي طرف، إلا أن مجرد مغادرته في هذا التوقيت هو اعتراف ضمني بأن “المشروع” الذي قاتل لأجله قد فقد بوصلته الأخلاقية والسياسية.
لماذا الآن؟
تتعدد الأسباب التي جعلت هؤلاء “الصقور” يهجرون أعشاشهم ويمكن تلخيصها في ثلاث نقاط جوهرية:
الانقسام العرقي والمناطقي: تعاني قوات الدعم السريع من صراع صامت بين مكونات قبيلة “الرزيقات” والمجموعات الأخرى. التهميش الذي شعر به قادة مثل “القبة” في توزيع الموارد والقيادة وصعود نفوذ مجموعات “أيديولوجية” أو عائلية ضيقة ولّد حالة من الغبن التاريخي.
أحداث “مستريحة” والشيخ موسى هلال لا يمكن قراءة انسحاب هؤلاء القادة بمعزل عن محاولة اغتيال الشيخ موسى هلال (ناظر المحاميد) واستهداف معقله في مستريحة بمسيرات الدعم السريع واجتياحها . هؤلاء القادة الذين ينتمون وجدانياً وقبلياً لهذه الأرض وجدوا أنفسهم يقاتلون أهلهم وهو “خط أحمر” لم تستطع الولاءات السياسية صموداً أمامه.
الاستنزاف وفقدان الأمل: بعد ثلاث سنوات من القتال (2023-2026) تحولت الحرب إلى “محرقة” لا تنتهي. ومع تزايد فاعلية الطيران المسير للجيش السوداني والتحولات الميدانية في ولايات الجزيرة وسنار والخرطوم أدرك “قادة الميدان” أن الحسم العسكري للدعم السريع أصبح “وهماً” مكلفاً.
إلى أين تمضي الحرب السودانية؟
نحن أمام سيناريوهات قاتمة تتأرجح بين الأمل في التفكك السلمي للميليشيا وبين الرعب من “لبننة” السودان (تحوله إلى كانتونات متناحرة)
سيناريو “التفكك التدريجي”: إن توالي انسحاب كبار القادة (بدءاً من كيكل وصولاً للقبة والسافنا) سيؤدي حتماً إلى فقدان السيطرة المركزية على القوات الميدانية هذا قد يسهل مهمة الجيش في حسم المعارك لكنه يفتح الباب أمام “عصابات منفلته” لا تتبع لأحد مما يطيل أمد المعاناة الإنسانية.
سيناريو “حرب الكل ضد الكل”: إن خروج قادة بوزن “السافنا” قد يؤدي إلى انقسام الدعم السريع إلى فصائل متناحرة داخلياً على أسس قبلية مما يعني أن دارفور وكردفان قد تشهدان جولة جديدة من “حرب التصفية” داخل الحاضنة الواحدة.
خيار “الوطن” المفقود: في ظل هذه الانسحابات يبدو أن القيادة العامة للجيش السوداني تتبنى استراتيجية “التفكيك من الداخل” وهي استراتيجية ذكية عسكرياً لكنها تتطلب حكمة سياسية فائقة في دمج هؤلاء المقاتلين لتجنب إعادة تدوير الأزمات.
ما حدث بالأمس واليوم ليس مجرد أخبار “عاجلة” على شاشات التلفزة؛ بل هي دموع أمهات في الخرطوم، وصرخات نازحين في معسكرات زمزم وأبوشوك. رحيل “القبة” و”السافنا” عن صفوف القتال هو اعتراف متأخر بأن “البندقية” التي وُجهت لصدور السودانيين لم تجلب إلا الخراب.
إن الحرب السودانية تمضي الآن نحو “مرحلة التآكل الذاتي” للطرف المعتدي ولكن الثمن الذي دُفع ولا يزال يُدفع من نسيج المجتمع وكرامة الإنسان السوداني هو جرح لن يندمل بمجرد انسحاب قائد أو انضمام آخر. السودان اليوم يبحث عن “مخرج آمن” من زقاق الحرب المظلم، وبينما يسقط القادة يبقى السؤال المعلق في سماء الخرطوم متى يسقط خيار الحرب نفسه؟
إنَّ التشريح لظاهرة “تساقط أحجار الدومينو” من هيكل الدعم السريع يضعنا أمام حقيقة جيوسياسية واحدة: المشروع الذي بدأ كطموح عابر للحدود ينتهي الآن كأزمة محلية منغلقة على نفسها.
تأسيساً على ذلك يمكن استخلاص النتائج التالية:
انكشاف الغطاء الأخلاقي والسياسي: إن انسحاب قادة بوزن “النور القبة” و”السافنا” ليس مجرد هروب من ميدان المعركة بل هو إعلان عن انتهاء “صلاحية السردية” التي حاولت تسويق الحرب كصراع من أجل الديمقراطية أو ضد “الفلول”. هؤلاء القادة وهم أبناء الأرض أدركوا أن الحرب تحولت إلى عملية “انتحار جماعي” للمكونات الاجتماعية التي ينتمون إليها.
تحول العقيدة من “الهجوم” إلى “البقاء”: بانشقاق هؤلاء تنتقل قوات الدعم السريع من مرحلة “المبادرة العسكرية” والمناورة السياسية الكبرى إلى مرحلة “الدفاع عن الوجود”. هذا التآكل الداخلي سيجعل من “المركزية القابضة” لمحمد حمدان دقلو أمراً مستحيلاً مما يحوّل ما تبقى من قواته إلى جيوب معزولة تفتقر للرؤية الموحدة.
رسالة إلى الخارج قبل الداخل: هذا التصدع يبعث برسالة قوية للقوى الإقليمية والدولية التي راهنت على “قوة الدعم السريع” كلاعب موازن؛ فالمؤسسات العسكرية التي تُبنى على الولاءات المادية والقبلية تظل دائماً عرضة للانهيار عند أول اختبار للقيم الوطنية أو الفشل في الحسم العسكري.
إن السودان اليوم يقف على أعتاب مرحلة “ما بعد الانفجار” حيث لم تعد المشكلة في قوة الخصم بقدر ما هي في كيفية احتواء شظايا هذا التفتت. إن عودة هؤلاء القادة إلى حضن “الدولة” مهما كانت الدوافع يجب أن تُقرأ كمؤشر على أن خيار “الدولة الوطنية” هو الوحيد القادر على البقاء، وأن الميليشيا مهما بلغت قوتها هي كائن طفيلي يموت بمجرد أن يرفضه الجسد الذي يتغذى عليه.
الحرب السودانية لا تمضي نحو نصر عسكري كلاسيكي فحسب بل تمضي نحو “استرداد الهوية العسكرية للبلاد” ولو كان ذلك عبر مسار طويل، حزين، ومخضب بالدماء.

تعليق واحد

  1. لودج فان بيتهوفن السيمفونية التاسعة عزفت لكم لحن المقال.OMG
    المثقف السوداني زول خطابي جعجاع حالم بلا نتيجة…. عقلية زئبقية “قال ليك هوية عسكرية”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..