حين يُخترق الصف… سلسلة في خيانة الزمالة وانهيار أخلاق المهنة (٤ – ٥)

تفكيك المهنة… كيف يُهزم المعلم من داخله؟
المهن العظيمة لا تُهزم فقط بقرارات السلطة، ولا بانهيار الرواتب، ولا بسوء الإدارات وحده… بل تُهزم يوم تفقد وحدتها الداخلية، ويوم يتحول أبناؤها من جسدٍ واحد إلى أفراد متفرقين، كلٌّ يبحث عن نجاته الخاصة ولو فوق أنقاض الآخرين. وهذه هي الكارثة التي أصابت مهنة التعليم.
لم يعد الخطر الحقيقي في الوزير، ولا في اللوائح، ولا حتى في السياسات الجائرة فقط، بل في هذا التفكك البطيء الذي ينخر جسد المعلمين من الداخل.
حين يصبح بعض المعلمين مشغولين بالعلاقات الخاصة، والترضيات الشخصية، والمصالح الضيقة، والتقرب للإدارات، أكثر من انشغالهم بالدفاع عن كرامة المهنة نفسها.
هناك من باعوا القضية الكبرى مقابل امتياز صغير. من أجل حصة إضافية، أو منصب هزيل، أو خطاب شكر فارغ، أو صورة بجانب مسؤول، تنازل البعض عن أبسط معاني التضامن المهني، وتحولوا من شركاء معاناة إلى أدوات تُستخدم ضد زملائهم. وهكذا تبدأ الهزيمة.
فالمعلم لا يُكسر أولًا بالفقر، بل يُكسر حين يشعر أنه وحيد. وحين يفقد الإحساس بأن خلفه صفًا متماسكًا يحميه ويقف معه، يصبح فريسة سهلة لأي سلطة متغولة أو إدارة مستبدة أو بيئة فاسدة.
إن أخطر ما نجحت فيه الأنظمة والإدارات الفاشلة هو تحويل المعلمين من “قوة جماعية” إلى أفراد خائفين ومتفرقين. كل واحد منشغل بنفسه، يبحث عن السلامة الشخصية، ويتجنب المواقف، ويخشى أن يخسر امتيازًا صغيرًا أو علاقة عابرة. وهنا تنهار المهنة دون ضجيج.
حين يُضرب معلم فلا يجد من يدافع عنه… وحين يُهان زميل فيلتزم الآخرون الصمت… وحين تُسلب الحقوق فيكتفي الجميع بالهمس في الغرف المغلقة… فاعلم أن التفكيك قد اكتمل.
لقد أصبح بعض المعلمين يعيشون بعقلية: “المهم أن أنجو أنا”. وهذه ليست عقلية مهنة، بل عقلية أفراد يعيشون في حالة خوف مزمن وانعدام ثقة متبادل. ولهذا تراجعت هيبة المعلم، وضعفت مطالبه، وتدهورت بيئة التعليم عامًا بعد عام.
ليس لأن المعلمين بلا قيمة، بل لأن القيمة الجماعية للمهنة جرى تفكيكها بعناية، حتى صار كل صوت منفصلًا عن الآخر، وكل قضية تُترك لصاحبها وحده.
إن السلطة — أي سلطة — تخشى الكتلة المهنية الموحدة، لكنها لا تخشى الأفراد المتناحرين. ولهذا كان تفتيت المعلمين هدفًا دائمًا لكل بيئة لا تريد للتعليم أن يكون قويًا أو حرًا. تم زرع الشك بين الزملاء، وتغذية المنافسات الرخيصة، وصناعة طبقة من المتسلقين والانتهازيين الذين يعيشون على التقارير والولاءات الشخصية، حتى أصبحت بعض المدارس أشبه بساحات صراع خفي، لا ببيئات تربوية محترمة.
وفي وسط هذا الخراب، ضاع المعلم الحقيقي. ذلك الذي جاء ليُعلّم ويُربي ويحمل رسالة، فوجد نفسه محاصرًا بشبكات النفاق والخوف والانتهازية.
والمؤلم أن بعض من ساهموا في هذا الانهيار يظنون أنفسهم “أذكياء” لأنهم ضمنوا قربًا من الإدارة أو مكسبًا وقتيًا. لكنهم لا يدركون أنهم يشاركون في هدم البيت الذي يقفون داخله. فحين تنهار كرامة المهنة، لن يحمي أحدٌ أحدًا.
إن المعلم القوي ليس فردًا مهما بلغت شجاعته أو كفاءته… المعلم القوي هو حالة جماعية، ضمير مهني موحد، وجدار تضامن لا يُكسر بسهولة. أما حين تتحول المهنة إلى جزر معزولة، ويصبح كل معلم مشروع ناجٍ منفرد، فالهزيمة تصبح مؤكدة، مهما ارتفعت الشعارات.
لقد هُزم التعليم يوم قَبِل بعض المعلمين أن يُستخدموا ضد زملائهم. وهُزمت المهنة يوم صار الصمت أكثر أمانًا من التضامن. وهُزم المعلم يوم أصبح يخشى زميله أكثر مما يخشى ظلم الإدارة.
إن أخطر أنواع الاختراق ليست تلك التي تأتي من خارج الصفوف… بل تلك التي تجعل الصف نفسه عاجزًا عن حماية أبنائه.



