ما بعد الحرب: هل تعود السودانوية كحل أخير لأزمة الهوية في السودان؟

عاطف عبدالله
بعد عقود طويلة من الجدل حول هوية السودان، بين من رأوه امتداداً عربياً خالصاً، ومن حاولوا اختزاله في بعد أفريقي صرف، ومن سعوا إلى تعريفه عبر مرجعية إسلامية عابرة للحدود، تبدو الحرب السودانية الأخيرة وكأنها وضعت الجميع أمام حقيقة قاسية: لا أحد نجح في تقديم صيغة مستقرة لبناء وطن يتسع لجميع السودانيين.
لقد أثبتت التجربة التاريخية أن مشاريع الهوية الأحادية، مهما بدت جذابة لأنصارها، كانت في جوهرها أحد محركات الأزمة السودانية. فالنخب التي راهنت على العروبة باعتبارها الإطار الجامع فشلت في معالجة التفاوتات البنيوية داخل الدولة، كما أن الخطابات المضادة التي طرحت أفريقانية صلبة لم تنجح بدورها في إنتاج مشروع وطني قابل للحياة. أما المشاريع الإسلاموية التي بشرت بوحدة تتجاوز الدولة الوطنية فقد انتهت إلى إعادة إنتاج الاستبداد والحرب والانقسام.
وسط هذا الفشل التاريخي برز مشروع جون قرنق بوصفه أحد أكثر المشاريع إثارة للجدل، لكنه أيضاً من أكثرها عمقاً في قراءة أزمة السودان. لم يكن جوهر مشروعه سياسياً عسكرياً فقط، كما جرى تصويره طويلاً، بل كان يحمل تصوراً مختلفاً لمعنى الانتماء الوطني نفسه.
فكرة “السودانوية” التي ارتبطت بمشروع “السودان الجديد” لم تكن دعوة لإنكار العروبة أو الإسلام، كما صورها خصومها، ولم تكن مشروعاً انتقامياً للهامش ضد المركز، بل محاولة لإعادة تعريف الدولة السودانية على أساس المواطنة، والتنوع، والاعتراف المتبادل بين المكونات المختلفة. كانت محاولة لنقل سؤال الهوية من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة.
لكن المفارقة أن هذه الفكرة تعرضت لضربة قاسية بانفصال جنوب السودان عام 2011، حيث اعتبر كثيرون أن الانفصال شهادة وفاة نهائية لمشروع السودان الجديد. غير أن ما حدث لاحقاً كشف أن الأزمة لم تكن في الفكرة نفسها، بل في البنية السياسية التي قاومتها لعقود.
اليوم، وبعد الحرب التي أعادت إنتاج مشاهد الانهيار الوطني، يبدو شمال السودان أكثر حاجة إلى فكرة السودانوية من أي وقت مضى. فحتى بعد خروج الجنوب من المعادلة الجغرافية، لم تختفِ التعددية داخل الشمال، بل ظلت قائمة بأبعادها الإثنية والثقافية والجهوية واللغوية. بل إن الحرب الأخيرة أثبتت أن أدوات الهيمنة القديمة لم تعد قادرة حتى على الحفاظ على الحد الأدنى من تماسك الدولة.
إن السودان الشمالي اليوم ليس كتلة متجانسة كما حاول البعض تصويره. دارفور، كردفان، شرق السودان، الشمال النيلي، الوسط الحضري، الشرق المنسي، كلها تعكس تنوعاً عميقاً يحتاج إلى إطار سياسي وثقافي جديد يتجاوز منطق المركز والهامش، والعربي والأفريقي، والإسلامي والعلماني.
وهنا تصبح السودانوية ضرورة سياسية لا ترفاً فكرياً. فهي الصيغة الوحيدة القادرة على حماية ما تبقى من السودان من مزيد من التشظي، لأنها تقوم على الاعتراف بالواقع كما هو، لا كما تتمنى الأيديولوجيات.
السودانوية المطلوبة اليوم ليست نسخة حرفية من أطروحات الماضي، ولا استدعاءً رومانسياً لمشروع قرنق، أو الطيب زين العابدين الذي لخص رؤيته بعبارته الشهيرة:
“السودانوية فاحمة السواد وصفراء اللون في الوقت ذاته؛ هي دينكاوية وهدندوية ودنقلاوية.. تتحدث لغة الزاندي والعربية والنوبية، وتدين بالإسلام والوثنية في آن واحد”.
بل هي تطويراً جديداً للفكرة يتناسب مع واقع ما بعد الحرب. سودانوية تعترف بالتنوع، تؤسس للمواطنة المتساوية، تعيد توزيع السلطة والثروة بعدالة، وتبني سردية وطنية جديدة لا يشعر فيها أحد بأنه ضيف في وطنه.
فإذا كان انفصال الجنوب قد كشف فشل الدولة القديمة، فإن الحرب الحالية قد تؤكد أن استمرار الذهنية القديمة قد يقود إلى ما هو أسوأ. ولهذا ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس: لماذا انفصل الجنوب؟ بل: كيف نمنع ما تبقى من السودان من الانهيار؟
وربما تبدأ الإجابة من الاعتراف بأن السودان، رغم كل شيء، لا يزال بحاجة إلى فكرة كبرى تجمعه… ولعل السودانوية، بعد كل هذه السنوات، ما تزال أقرب تلك الأفكار إلى الواقع.
سودانوية تنقلنا من تنوع الوحدة إلى وحدة التنوع، يعززها “دستور المواطنة” والتنمية المتوازنة وديمقراطية الثقافة … وهذا ما سأواصل فيه لو في العمر بقية والى جميل الملتقى.




فكرة “السودانوية” التي ارتبطت بمشروع “السودان الجديد” لم تكن دعوة لإنكار العروبة أو الإسلام، كما صورها خصومها، ولم تكن مشروعاً انتقامياً للهامش ضد المركز، بل محاولة لإعادة تعريف الدولة السودانية على أساس المواطنة، والتنوع، والاعتراف المتبادل بين المكونات المختلفة. كانت محاولة لنقل سؤال الهوية من منطق الغلبة إلى منطق الشراكة.
يمكنك صياغتها بصورة نقدية قوية ولكن أكثر اتزانًا واحترافية، مع تجنب الألفاظ الشخصية الحادة مثل “المخبول”، حتى يكون النص أكثر تأثيرًا ومصداقية.
النص المعاد صياغته:
إنني أختلف مع الأستاذ الكبير عاطف فقرنق في تقييمه لجون قرنق ومشروع السودان الجديد. فمن وجهة نظري، كان المشروع يحمل في جوهره نزعة إقصائية وعنصرية إلى حد بعيد، حتى وإن تم تقديمه أحيانًا بشعارات الوحدة والعدالة والمواطنة.
لقد امتلك جون قرنق قدرة كبيرة على المناورة السياسية وتقديم خطابات متعددة تتناسب مع طبيعة الجمهور الذي يخاطبه، ولذلك نجد تباينًا واضحًا بين خطاباته الأولى، ومانفستو الحركة الشعبية في بداياتها، وبين خطاباته في سنواته الأخيرة. وهذا التناقض يكشف حجم التحولات والتكتيكات السياسية التي اعتمد عليها المشروع.
وأذكر أنني استمعت إليه شخصيًا في إحدى الندوات وهو يتحدث عن طرد العرب من جزيرة زنجبار، مشيرًا إلى أن وجودهم التاريخي هناك كان أقدم وأكثر رسوخًا من وجودهم في السودان. مثل هذه التصريحات كانت تعكس، في تقديري، خطابًا مزدوجًا يحمل رسائل مختلفة تبعًا للمنبر والجمهور المستهدف.
وقد ظن قرنق أن هذا التعدد في الخطاب يمكن أن يمر دون مساءلة أو تدقيق من النخب السياسية والفكرية السودانية، غير أن الواقع أثبت أن المواقف والتصريحات تبقى مرصودة ومحفوظة، وأن التناقضات الفكرية والسياسية لا يمكن تجاوزها بسهولة.
لذلك أرى أن مشروع السودان الجديد، رغم ما حمله من شعارات جذابة، كان في التطبيق العملي مشروعًا أثار مخاوف واسعة لدى قطاعات كبيرة من السودانيين، بسبب ما اعتبره البعض نزعة لإعادة تشكيل الهوية السودانية بطريقة إقصائية وغير متوازنة.