الجزء الثاني: رصد المحتوى السلبي السوداني على تيك توك

د. عوض النقر بابكر محمد
المحتوى السودانى على منصة تيك توك2
قبل أن ندخل في التفاصيل، لا بد من تأكيد نقطة قلتها في الجزء الأول: لست مع وصاية الدولة على المنصة. الرصد هنا ليس غرضه المنع أو التكميم، بل الفهم والتوثيق، ثم ربما فتح نقاش مجتمعي حول ما نرضاه لأنفسنا كسودانيين، دون أن نُخرج أحداً من دائرة الإبداع أو التجربة الشخصية.
إذا كان الجزء الأول قد أبرز التنوع والغنى، فإن هذا الجزء هو محاولة للنظر إلى الجانب المظلم من الشاشة، إلى تلك المقاطع والبثوث المباشرة التي تثير الحرج، وتُضعف الخطاب الثقافي، وتُقدّم صورة مشوهة عن المجتمع السوداني، خصوصاً للمتابع الأجنبي أو الجديد على المنصة.
أولاً: أنواع المحتوى السلبي – رصد ميداني
بعد متابعة طويلة (لأكثر من عام) لمئات الحسابات والمقاطع والبث المباشر، يمكن تصنيف السلبيات الواضحة في المشهد السوداني على تيك توك إلى الأنواع التالية:
1. المحتوى المُخِلّ بالآداب والأخلاق العامة
وهو الأكثر انتشاراً والأكثر إثارة للجدل. يتضمن:
– مشاهد التعرّي الجزئي أو الكامل بذرائع مختلفة: تظهر بعض الفتيات والنساء (وأحياناً شباب) بلباس ضيق أو غير لائق، مع حركات استفزازية، تحت عناوين مثل “رقص منزلي”، “تحدي الموضة”، أو حتى بث مباشر وكأنه “عرضي”. كثير منهن يقدمن محتوى راقياً في حسابات أخرى، لكنهن يسقطن في هذا الفخ لجذب المشاهدات السريعة.
– اللمسات والألفاظ الجنسية المباشرة وغير المباشرة: خاصة في البث المباشر الثنائي أو البث المشترك)، حيث يتم تبادل إيحاءات وإيماءات تصل أحياناً إلى الابتذال الصريح.
– تقليد رقصات أجنبية خادشة: ليس كل رقص مرفوضاً، لكن هناك رقصات أصلها من ثقافات أخرى تتعمد إظهار الأعضاء الحساسة بحركات مقصودة، وقد تبنّاها بعض المؤثرين السودانيين.
2. اللغة البذيئة والشتائم كأسلوب حياة
لم تعد الشتيمة رد فعل، بل أصبحت عند البعض “استراتيجية محتوى”:
– البث المباشر حيث الكلمة الوحيدة هي السب: يجلس شخصان أو ثلاثة في بث مباشر، ولا يتحدثون إلا بالشتائم المتبادلة، أمام مشاهدين قد يصل عددهم إلى الآلاف، وكثير من هؤلاء المشاهدين أطفال.
– التطبيع مع السب كـ”فكاهة”: بعض الكوميديين (مثل بعض من ذكرتهم في الجزء الأول) يخلطون بين الفكاهة الذكية والسباب المقذع، بحجة أن هذه هي واقعية الحياة السودانية. الفرق كبير بين محاكاة لغة الشارع بطريقة فنية، وبين تحويل البث إلى ساحة سباب مفتوحة.
– الترويج للمثلية الجنسية
3. استغلال الأطفال – أسوأ أشكال المحتوى السلبي
مشاهد مؤلمة حقاً:
– تصوير الأطفال وهم يرددون ألفاظاً بذيئة أو يقومون بحركات غير لائقة بتشجيع من أهلهم أو أقاربهم، مقابل “تفاعل” و”هدايا” في البث المباشر.- استغلال مرض أو عاهة طفل لجلب الشفقة والهدايا: بعض الآباء يصورون أطفالهم وهم يبكون أو يعانون من مرض، ويطلبون الدعم المالي عبر المنصة، دون أي ضمان لوصول هذا الدعم لعلاج الطفل فعلاً.
– طفل يُجبر على الرقص أو التمثيل لساعات طويلة تحت ضغط “المحتوى” و”الشهرة”.
هذه الظاهرة خطيرة جداً لأنها تنتهك أبسط حقوق الطفل (الخصوصية، الطفولة، السلامة النفسية) وتُعرضه لخطر التحرش أو الابتزاز.
4. المحتوى “الصفري” – الفقاعة الإعلامية التي لا تُغذي ولا تُمتع
وهو الذي ذكرته في الجزء الأول بعبارة “الغرض منه الظهور فقط”. يتضمن:
– رفع أغنية والرقص معها بدون أي إضافة: مجرد تكرار لحركات جاهزة، ولا قيمة فنية أو ثقافية لك ان تتخيل اما سودانية تظهر مع اطفالها وهى تفخر بانهم لا يجيدون اللغة العربية.
– تجارب أداء غنائي سيئ جداً: شخص يغني بصوت غير مقبول، وأحياناً “بلا مؤثرات أو ميكساج”، ومع ذلك ينشرها وكأنها عمل فني متكامل. ليس المطلوب إتقان احترافي، لكن المطلوب ألا يتحول النشر إلى “تلويث سمعي” جماعي.
– تصوير الطعام أو الشراب بطريقة مبتذلة: كالمبالغة في صوت المضغ أو الإسراف في عرض المأكولات بأسلوب استعراضي فارغ.
– البث المباشر دون هدف: مجرد كاميرا مفتوحة على وجه صامت أو شاشة سوداء مع موسيقى، أو شخص يردد “سلام عليكم” كل دقيقة ولا يضيف شيئاً. وقد انضمت لهذه الفئة مبدعة كان ينتظر منها الكثير.
– استغلال كبار السن فى الرقص والنكات البذيئة
5. المحتوى التحريضي أو الكاذب
وهو أقل شيوعاً من سابقه، لكنه أخطر:
– نشر إشاعات وأخبار غير موثقة عن الوضع في السودان (خاصة زمن الحرب): بعض الحسابات تنشر مشاهد قديمة أو مفبركة وتقول إنها من مدينة كذا أو كذا، مما يسبب هلعاً وتضليلًا.
– تحريض على الكراهية القبلية أو الجهوية: خاصة في التعليقات، وأحياناً في المقاطع ذاتها، تحت عناوين سياسية أو اجتماعية.
– انتحال شخصيات عامة أو نسب أقوال كاذبة لهم.
– البعض ينتقد الممارسة السلبية بعرض محتواها اولا وهو بذلك يزيد من انتشارها.
ثانياً: من ينتج هذا المحتوى؟ – رصد الفاعلين
لا يمكن تعميم “السودانيون في الخارج” أو “السودانيون في الداخل”، لكن هناك ملاحظات:
– نسبة ليست قليلة من هذا المحتوى تأتي من سودانيين يعيشون خارج السودان، وتحديداً في دول غربية أو خليجية. ربما، كما أشرت، بسبب “التشويش الحضاري” أو الرغبة في “التحرر من الإرث” بطريقة فجة، أو ببساطة لأنهم يشعرون أنهم “في منأى” عن رقابة الأسرة والمجتمع.
– أيضاً هناك منتجون من داخل السودان، خاصة في المدن الكبرى، يستخدمون المنصة للتعبير عن إحباطات أو لفت الانتباه بأي ثمن.
– ظاهرة “الـ Host” في البث المباشر: أشخاص (غالباً شباب) يتخذون من البث المباشر منصة للمشاغبة والسباب، ويجذبون مشاهدين يدفعون لهم “هدايا” مقابل أن يسبوا شخصاً معيناً أو يقوموا بحركة استفزازية.
ثالثاً: لماذا ينتشر هذا المحتوى؟ – محاولة لفهم الأسباب لا تبريرها
1. اقتصاد الهدايا والتفاعل: كلما كان المحتوى أكثر استفزازاً، زاد التفاعل (تعليقات غاضبة أو مساندة)، وزادت الهدايا الرقمية التي تتحول إلى مال حقيقي. هذا يحول التيك توك عند البعض إلى “سوق للاستعراض الجسدي واللفظي”.
2. غياب الثقافة الرقمية: معظم من ينتج هذا المحتوى لا يدركون أن ما ينشرونه يظل موجوداً على الخوادم حتى بعد الحذف، ويمكن أن يُستخدم ضده مستقبلاً (ابتزاز، تشويه سمعة، رفض وظيفي).
3. الفراغ والبحث عن هوية بديلة: في ظل انهيار الدولة وغياب الترفيه الآمن والحقيقي (في الداخل)، أو في ظل الغربة والصدمة الثقافية (في الخارج)، يلجأ البعض إلى المنصة كـ”مسكن سريع” يمنحهم إحساساً بالوجود والقيمة، ولو كان هذا الإحساس زائفاً.
4. الجمهور المستهلك: للأسف، هناك جمهور سوداني كبير يتابع هذا المحتوى، يشارك، يعلق، ويدفع هدايا. من دون هذا الجمهور، لن يستمر المنتجون. نحن أمام علاقة تبادلية: منتج سلبي وجمهور يتغذى على السلبي.
رابعاً: ماذا نفعل (دون وصاية الدولة)؟
رصد السلبي ليس عزاءً أو يأساً، بل خطوة أولى نحو التغيير. أقترح:
1. توثيق ورصد منهجي: مثل ما نحاول فعله الآن. توثيق الظاهرة بأمثلة (بدون نشر المقاطع الخادشة احتراماً للخصوصية) وتحليلها.
2. بناء ثقافة رقمية نقدية داخل المجتمع: عبر حملات توعية خفيفة وسريعة على المنصة ذاتها، يقدمها صناع محتوى جيدون (مثل الذين ذكرتهم في الجزء الأول والذين لم يُذكروا بعد). تعليم الناس كيف “يكتمون” أو “يبلّغون” عن المحتوى الضار، بدلاً من المشاركة فيه أو مهاجمة صاحبه (لأن المهاجمة تزيد التفاعل).
3. الضغط على إدارة تيك توك عبر تقارير جماعية منظمة (وليس مجرد بلاغات فردية) لإزالة المقاطع التي تنتهك بوضوح سياسات المنصة (العارية، التحرش، استغلال الأطفال).
4. خلق بدائل إغرائية: دعم ومضاعفة ظهور المحتوى الجاد، الثقافي، التعليمي، والهادف. المنافسة بالمحتوى الأفضل هي الطريقة الأنجع لقتل المحتوى الرديء، وليس الحظر.
5. مسؤولية مجتمعية للمؤثرين الحقيقيين: أن يخصص من ذكرتهم في الجزء الأول (حسن خليفة، عصام العوض، مروة عبد الله، وغيرهم) بعض مقاطعهم لنقد هذه الظواهر السلبية بأسلوب ساخر أو مباشر، لأن كلمتهم تصل الى الملايين.
خاتمة الجزء الثاني
المحتوى السلبي على تيك توك السوداني ليس مجرد “زلة أخلاقية” هنا وهناك، بل هو نمط منتشر له دوافعه الاقتصادية والاجتماعية. لكنه ليس قدراً محتوماً. المجتمع السوداني، بتاريخه الحي في مواجهة الصعاب، قادر على تطوير آليات ذاتية لضبط هذا الفضاء الجديد. الرصد الذي قمنا به هو مجرد بداية: بوصلته تظهر الخرائط، لكن الرحلة تحتاج إلى كل من يقرأ.
في الجزء الثالث – بإذن الله – سننتقل إلى نماذج محددة (مع إخفاء الهويات المباشرة احتراماً للحدود القانونية)، ونحلل أعمال بعض صناع المحتوى السلبي تفصيلاً، كتطبيق عملي للمعايير التي اتفقنا عليها (الأخلاق، الثوابت، الأعراف)، مع الاعتراف دائماً بجمالية الشكل الفني حتى عندما يكون المضمون قابلاً للمساءلة.




هذا موضوع غاية فى الاهمية وان كنت اختلف معك فى مسالة تدخل الدولة لابد لابد من تدخل الدولة