مقالات وآراء

مياه السودان المهدرة.. من السلفة المائية المصرية إلى معركة السيادة والتنمية في شرق وغرب السودان

عبد الحافظ سعد الطيب

السودان الذي عاش أقل من موارده
ملف المياه في السودان ليس مجرد ملف خدمات أو نزاع فني حول الحصص، بل واحد من أخطر الملفات التي تكشف كيف أُدير هذا البلد لعقود طويلة أقل من إمكاناته الحقيقية.
بلاد تمر عبرها مليارات الأمتار المكعبة من المياه سنويًا، وتملك أراضي زراعية هائلة وأمطارًا ضخمة، ومع ذلك ظل شعبها يعيش بين العطش والفقر والحروب والانهيار التنموي.
هذه ليست أزمة طبيعة، بل أزمة دولة فشلت تاريخيًا في تحويل مواردها إلى مشروع نهضة حقيقي.
اتفاقية 1959 والسلفة المائية
كل السودانين اول هام يعرفوا ان لدينا قرض وسلفة مائية
تقدر مابين 500 الي 450 مليار متر مكعب
الكلام ده ماضجيج ده حسب خبرائنا ودكتور سلمان محمد سلمان
وفق اتفاقية عام 1959 بين Sudan وEgypt، حصل السودان على 18.5 مليار متر مكعب من مياه النيل سنويًا، بينما حصلت مصر على 55.5 مليار متر مكعب.
لكن المشكلة الكبرى أن السودان لم يكن قادرًا على استغلال كامل حصته المائية لغياب:
البنية التحتية،
السدود الكافية،
مشاريع الري الكبرى،
والاستقرار السياسي والاقتصادي.
وهنا ظهرت فكرة “السلفة المائية” التي تحدث عنها عدد من الخبراء، وعلى رأسهم الدكتور Salman Mohamed Salman.
فبحسب هذه القراءات، استمر تدفق جزء من المياه شمالًا إلى مصر نتيجة عدم قدرة السودان على استخدامها، على أساس أنه وضع مؤقت مرتبط بتطور القدرات المائية والزراعية.
لكن المؤقت في التجربة السودانية كثيرًا ما تحول إلى واقع طويل الأمد.
مئات المليارات التي عبرت شمالًا
بحسب الحسابات التراكمية التي يطرحها عدد من المختصين:
نحو 6.5 مليار متر مكعب سنويًا لم تُستغل من الحصة الأصلية.
إضافة إلى 3.5 مليار متر مكعب من الزيادة اللاحقة في إيراد النهر.
وعند جمع هذه الأرقام عبر عقود طويلة، تظهر تقديرات تتجاوز 540 مليار متر مكعب.
القضية هنا ليست خطاب اتهام مباشر، بل توصيف لخلل تاريخي:
مياه عظيمة مرت، بينما ظل السودان بلا بنية قادرة على تحويلها إلى تنمية.
الفشل الداخلي قبل أي صراع خارجي
الأزمة الأعمق لم تكن في الأنهار، بل في الدولة نفسها:
حروب ممتدة،
فساد إداري،
غياب التخطيط،
انهيار المشاريع الزراعية،
وتهميش الأطراف.
ولهذا ظل المورد حاضرًا، بينما غابت القدرة على توظيفه.
الهدر الحقيقي لمياه النيل
خبراء المياه يشيرون إلى فقدان كبير للمياه بسبب:
التبخر في المستنقعات بجنوب السودان،
ضعف أنظمة الري،
الري التقليدي منخفض الكفاءة،
وفواقد السدود والتوزيع.
ومن المشاريع التاريخية التي طُرحت لمعالجة الفاقد مشروع Jonglei Canal، الذي ظل معلقًا بسبب الحرب وعدم الاستقرار. وكان تستفيد منه مصر

شرق السودان… العطش وسط النهر
شرق السودان يمثل مفارقة تاريخية قاسية: أرض قريبة من مجرى النيل، لكنها تعاني العطش والتهميش وضعف التنمية.
ومن هنا تنبع أهمية مشروع نقل المياه إلى الشرق عبر نهر صناعي باعتباره مشروع حياة وتنمية واستقرار سكاني، لا مجرد خيار خدمي.

المشروع التاريخي الوعد الكاذب حل أزمة مياه الشرق

حين يتحدث الدكتور Kamil Idris عن مشروع نهر صناعي من النيل إلى شرق السودان، فإننا أمام نفس الوعد الكاذب تصور تنموي تاريخي ضخم يمكن أن يشمل:
مياه شرب مستدامة،
توسع زراعي واسع،
استقرار مجتمعات الرعي والزراعة،
وتحويل الشرق إلى منطقة إنتاج بدل الهشاشة التاريخية.
هذا المشروع يجب أن يتحول إلى التزام وطني لا إلى وعد سياسي كاذب عابر.

المشروع الثوري الثاني: النيل – وادي هور
إلى جانب مشروع الشرق، يبرز تصور أكثر اتساعًا يُطرح في النقاشات التنموية الكبرى:
مشروع النهر الصناعي من النيل إلى وادي هور في غرب السودان
هذا المشروع، إذا تم تبنيه، يمكن أن يتحول إلى مشروع “نهضة غرب السودان”، ويستهدف:
دعم الزراعة والرعي في إقليم الغرب،
توفير مياه مستدامة للسكان،
إدخال صناعات زراعية وحيوانية،
خلق مدن إنتاج جديدة مرتبطة بالمياه،
وتحويل غرب السودان من منطقة نزاعات إلى منطقة اقتصاد وتنمية.
مشروع وادي هور ليس مجرد قناة مياه،
بل تصور لإعادة هندسة الحياة في غرب السودان بالكامل على أسس زراعية وحيوانية وصناعية متكاملة.
البعد الإقليمي والهواجس السياسية
أي توسع سوداني كبير في استخدام مياه النيل — سواء في الشرق أو عبر وادي هور — سيُنظر إليه في Egypt باعتباره ملفًا استراتيجيًا عالي الحساسية، لأنه يمس مباشرة معادلات الأمن المائي في حوض النيل.
ومن هنا تنبع الهواجس السياسية المعتادة:
إعادة توزيع الاستخدامات المائية،
توسع زراعي سوداني واسع،
ومشاريع تحويل مائي ضخمة.
لكن في المقابل، هذه المشاريع تُطرح داخل السودان بوصفها حقًا تنمويًا مؤجلًا لعقود، لا صدامًا مع أحد.
المعركة الحقيقية
المعركة ليست مع نهر، بل مع فكرة الدولة نفسها: هل تستطيع السودان بناء مشروع وطني يحول موارده إلى تنمية عادلة؟ أم يستمر في إدارة الفقر وسط الوفرة؟
لأن الأزمة ليست ندرة مياه، بل ندرة إرادة سياسية ومؤسسات قادرة على التخطيط والتنفيذ.
ولهذا يجب أن يبقى ملف المياه:
قضية وعي شعبي،
ومشروع دولة،
لا مجرد شعار سياسي أو ورقة تفاوض بين العواصم.

منطق الدولة المصرية ليس “تخريب السودان” بل “ضبط المخاطر”
السياسة الرسمية المصرية تاريخيًا تقوم على ثلاث ثوابت:
أمن المياه (النيل قضية وجودية)
أمن الحدود الجنوبية
منع الفوضى في محيط حوض النيل
من هذا المنظور، القاهرة ليست معنية بـ“من يحكم السودان” بقدر ما هي معنية بـ:
هل السودان مستقر بطريقتها ويمكن التنبؤ بسلوكه المائي والأمني أم لا؟
ثانيًا: لماذا يخشى أي طرف إقليمي “الدولة السودانية القوية المستقلة”؟
الحقيقة الأكثر تعقيدًا ليست في دعم الفوضى، بل في الخوف من عدم اليقين.
أي دولة على ضفاف النيل تنظر إلى السودان كعنصر حاسم لأنه:
يتحكم في جزء كبير من مجرى النهر
يمتلك أراضي زراعية هائلة
ويمكن أن يغيّر معادلة استخدام المياه إذا استقر
لذلك، “الديمقراطية المسؤولة” في السودان — إذا أنتجت دولة قوية ومؤسسات فعالة — تعني ببساطة:

دخول لاعب جديد أكثر قدرة على التخطيط والاستفادة من الموارد المائية
وهذا قد يخلق إعادة توازن في حوض النيل، وليس بالضرورة صدامًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..