مقالات وآراء

بناء مجتمعات النخبة… البديل المثالي لنظام القطيع

ليست أزمة المجتمعات المتأخرة كامنة فقط في ضعف الموارد أو هشاشة الدولة، بل في إعادة إنتاج الفشل جيلاً بعد جيل.
فالمجتمع الذي يعيش داخل منظومة تقليدية مغلقة، غالباً ما يُنجب نسخاً متكررة من أزماته القديمة، حتى عندما يظن أنه يتطور.
ومن هنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً في دول مثل السودان: هل يمكن صناعة جيل نهضة حقيقي من داخل البيئة ذاتها التي صنعت الانهيار؟ أم أن أي مشروع للنهوض يتطلب انفصالاً فكرياً ونفسياً عن الأجيال السابقة وأنماطها التقليدية؟
الفكرة هنا لا تتعلق بصراع أخلاقي بين جيلين، بقدر ما ترتبط بمحاولة فهم كيفية انتقال أنماط التفكير داخل المجتمعات.
فالأبناء لا يرثون الملامح الجسدية فقط، بل يرثون أيضاً الخوف، وحدود الطموح، وطريقة تفسير العالم، وحتى شكل الأحلام الممكنة.
وفي المجتمعات المأزومة، تصبح هذه الموروثات أحياناً عبئاً يعيق أي محاولة للنهضة.
هناك من يرى أن الانفصال عن الجيل القديم لا يجب أن يكون انفصالاً مادياً أو عدائياً، بل فكرياً بالدرجة الأولى.
أي أن يدرك الجيل الجديد أن كثيراً من القيم التي حكمت حياة آبائهم كانت نتاج ظروف تاريخية قاسية: الفقر، والحروب، والاستبداد، وضعف الدولة، وانعدام الفرص.
لذلك يصبح من غير المنطقي التعامل مع تلك المعايير بوصفها قوانين مقدسة صالحة لكل زمان.
في السودان، مثلاً، تشكّلت أجيال كاملة داخل بيئة سياسية واجتماعية مضطربة، جعلت النجاة الفردية أهم من بناء مشروع وطني شامل.
ولهذا تحوّل النجاح، في الوعي الجمعي، إلى مجرد وظيفة مستقرة أو شهادة تقليدية في الطب والهندسة، بينما تراجعت أهمية العلوم السياسية والاقتصاد والتكنولوجيا المتقدمة والبحث الزراعي والصناعات الاستراتيجية.
لم يكن ذلك بسبب نقص الذكاء، بل لأن المجتمع نفسه صاغ مفهوم النجاح ضمن حدود ضيقة فرضتها الأزمات المتراكمة.
لكن الإشكال الأعمق أن هذه المفاهيم لا تزال تُورَّث بوصفها النموذج الوحيد للحياة.
ولهذا يبدو السودان، رغم موارده الهائلة، وكأنه يدور داخل الحلقة نفسها منذ عقود: آلاف الخريجين سنوياً، مقابل دولة عاجزة عن حل أبسط أزماتها البنيوية.
فالسودان، الذي يمتلك مساحات زراعية تُعد من الأكبر في أفريقيا، لا يزال يواجه فجوات غذائية متكررة.
والسودان الذي يعبره نهر النيل، ما تزال قطاعات واسعة من سكانه تعاني شح المياه والكهرباء.
أما الدولة التي خرّجت أعداداً ضخمة من الأطباء والمهندسين، فلم تنجح في بناء منظومة صحية مستقرة أو بنية تحتية قادرة على استيعاب طاقات هؤلاء الخريجين.
هنا لا تبدو المشكلة في الأفراد أنفسهم، بل في طريقة تفكير جماعية كرّست التكرار أكثر من الابتكار.
ومن أخطر ما أنتجته هذه البيئة استمرار الولاءات الصغيرة على حساب فكرة الوطن.
إذ بقي الانتماء القبلي والعرقي في كثير من الأحيان أقوى من الانتماء للدولة الحديثة، وهو ما انعكس بوضوح على المشهد السياسي والعسكري في السودان، حيث تشكّلت جماعات وقوى كاملة على أسس إثنية وقبلية، لا على مشروع وطني جامع.
وبدلاً من بناء دولة مؤسسات، جرى تكريس الانقسام الاجتماعي بوصفه أداة للبقاء السياسي.
لذلك يجب ان تبرز لدى بعض الشباب السودانيين فكرة تأسيس «مجتمعات نخبة» أو بيئات موازية، تُنتج أجيال وقيماً مختلفة عن السائد.
ليس المقصود هنا نخبة طبقية مغلقة، بل فضاءات فكرية واجتماعية واسعة تحرّر الأفراد من القوالب التقليدية الجاهزة.
بيئات تهدف لخلق أجيال تقوم على التفكير النقدي، والعمل المنتج، والاستقلال الاقتصادي، والانفتاح على التجارب العالمية، بعيداً عن العصبية القبلية والجمود الاجتماعي.
هذه الفكرة تنطلق من قناعة بأن الإنسان، ما دام معتمداً اقتصادياً وفكرياً على المنظومة القديمة، فإنه سيبقى أسيراً لها.
فالأب الذي يملك قوت ابنه، يملك ـ بشكل أو بآخر ـ القدرة على تشكيل خياراته ورؤيته للحياة.
لذلك يصبح الاستقلال المادي شرطاً أساسياً للاستقلال الفكري، خصوصاً في المجتمعات المحافظة التي تمارس ضغطاً اجتماعياً هائلاً على الأفراد المختلفين.
لكن الدعوة إلى الانفصال عن «نظام القطيع»، كما يسميه البعض، لا تعني القطيعة الأخلاقية مع الأسرة أو احتقار الأجيال السابقة.
فهذه الأجيال نفسها كانت ضحية ظروفها التاريخية، وحاولت النجاة بالأدوات المتاحة لها.
إنما المقصود هو التحرر من إعادة تدوير الأخطاء ذاتها، ومن تحويل التجارب القديمة إلى نموذج أبدي لا يجوز تجاوزه.
كما أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه، ولا يمكن عزله عن محيطه دون توفير بدائل صحية.
ولهذا تبدو الحاجة ملحّة إلى إنشاء مساحات جديدة للتكوين الفكري والمهني: نوادٍ ثقافية، وحاضنات أعمال، وتجمعات معرفية، ومراكز تدريب مستقلة، ومشاريع شبابية تتجاوز الانقسامات التقليدية.
فالمجتمعات لا تتغير بالشعارات وحدها، بل ببناء بيئات تنتج قيماً جديدة بصورة يومية.
أزمة السودان اليوم ليست فقط أزمة سلطة أو اقتصاد، بل أزمة خيال جماعي أيضاً.
إذ ما يزال جزء كبير من المجتمع يفكر بالأدوات القديمة نفسها، رغم أن العالم تغيّر بصورة جذرية.
وبينما تتجه دول عديدة نحو الذكاء الاصطناعي والتقنيات الزراعية الحديثة والطاقة المتجددة، لا يزال الجدل المحلي في السودان أسير القبيلة والولاء الضيق والصراعات التقليدية.
لهذا قد يكون التحدي الحقيقي أمام الجيل السوداني الجديد أو جيل النخبة المُنتظر هو قدرته على كسر هذه الحلقة التاريخية المغلقة، لا عبر إنكار المجتمع، بل عبر إعادة تشكيله من الداخل.
فكل نهضة كبرى في التاريخ بدأت بأقلية صغيرة رفضت القواعد القديمة، وامتلكت الشجاعة الكافية لتخيّل مستقبل مختلف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..