مقالات وآراء

حين ينهزم المنطق… يبدأ الصراخ

حسن عبد الرضي

ردٌّ على افتراءات د. هاشم التوم وتهافت دعاوى الوصاية على العقول

لا بدّ لي من أن أبدأ ردّي بتقريرٍ يفيد من يتابعون هذا السجال، وهو أنني لا أُنكر الأفكار التي أؤمن بها، وليس هنالك ما يثنيني عن الثناء على أي فكرة تدعو إلى السلام. والذي أثبتُّه في مقالي، وتعمدتَ أنت تجاوزه، قولي إنني لا أكتب باسم الحزب الجمهوري، ولم أعرض نفسي، يوما، على أحد مدعيا أني جمهوري. وربما لا يعني أحدا أن أكون ما أشاء، فأنا حر أفكر كما أريد وأكتب ما أفكر فيه بصدق لا اكفر أحدا ولا اتجنى على أحد.
ثم إنه من البداهة ألّا يكون غريبًا أن يضطرب المرء حين تصيبه الكلمة في مقتل، وليس جديدًا أن يلجأ من عجز عن الحجة إلى تكرار محفوظاتٍ باليةٍ ظنًّا منه أن كثرة الترديد تصنع حقيقة. هذا هو بالضبط ما فعله الأستاذ هاشم التوم حين جاءت مقالتي السابقة ضربةً موجعة أصابت موضع الوهم في خطابه، فطفق يتخبط في هذيانٍ قديم، ينبش خزعبلاتٍ أكل عليها الدهر وشرب، ويعيد إنتاج اتهاماتٍ ساذجة سقطت منذ عقود تحت مطارق النقد العقلي الرصين.
والمؤسف حقًا أن رجلًا يحمل لقبًا أكاديميًا ما يزال يتحدث بعقلية الوصيّ على الناس، كأنما الشهادات العلمية تُخوِّل لصاحبها أن يصادر حق الآخرين في التفكير، أو أن يحتكر فهم الدين، أو أن يوزع صكوك الإيمان والكفر كما تُوزَّع نشرات الدعاية الرخيصة.
إن ما كتبه هاشم التوم لا يعدو أن يكون إعادة اجترارٍ لخطاب التكفير التقليدي الذي قامت الفكرة الجمهورية نفسها على تفكيك بنيته الفكرية وفضح منطقه المضطرب.
وأول ما يكشف خواء منطقه أنه يبدأ بتهمة التصنيف، ثم يمارس التصنيف نفسه بأقبح صوره؛ إذ لا يناقش الفكرة من داخلها، بل يبدأ بإلصاق الناس بصفاتٍ جاهزة: “كافر”، “زنديق”، “مارق”، ثم يظن أنه بهذا قد انتصر للحقيقة. هذه ليست حجة، وإنما عجزٌ عن الحجة.
فالفكرة الجمهورية لم تقل يومًا إن الإسلام ناقص حتى يُكمَل، ولم تدّعِ أن النبي ﷺ قصّر حتى يأتي من يصحح له رسالته. هذه فرية قديمة تقوم على التضليل المتعمد أو الجهل الصريح. حين تحدث الأستاذ محمود محمد طه عن “الرسالة الثانية”، لم يكن يتحدث عن دينٍ جديد، ولا عن نبيٍّ جديد، بل كان يتحدث عن بعث المستوى الأرقى من الإسلام نفسه؛ ذلك المستوى الذي نزل في القرآن المكي مؤسسًا للحرية الفردية الكاملة والمسؤولية الشخصية المباشرة، ثم أُرجئ تطبيقه الجماعي حتى تنضج البشرية له.
فهل هذا غريب؟ نعم، هذا غريب! لكن غرابته مدعاةٌ للتأمل والتفكير. فالقرآن نفسه يقرر التدرج: ﴿لكلٍّ جعلنا منكم شرعةً ومنهاجًا﴾، ويقرر النسخ المرحلي: ﴿ما ننسخ من آيةٍ أو ننسها نأتِ بخيرٍ منها أو مثلها﴾. فهل يُتَّهم القرآن نفسه، معاذ الله، بالزندقة عندكم حين يقرر التطور في التشريع؟
أما قولهم إن الأستاذ محمود زعم الرسالة لنفسه، فهذه من أكثر الأكاذيب ابتذالًا. فقد بيّن الأستاذ محمود بوضوحٍ لا يحتمل اللبس أن محمدًا ﷺ هو خاتم النبيين، وأنه لا نبوة بعده، وأن محمدًا ﷺ هو رسول الرسالة الأولى، وهو أحمد ﷺ رسول الرسالة الثانية. وإنما الرسالة الثانية عند الجمهوريين هي فهمٌ جديد للرسالة المحمدية الواحدة، يناسب تطور الإنسان المعاصر. لكن خصوم الفكرة يكرهون القراءة الدقيقة؛ لأن التدقيق يفضحهم.
أما مسألة “صلاة الأصالة” التي يلوكها الجهال وكأنهم اكتشفوا بها فضيحة، فهي في حقيقتها حديثٌ عن مقامٍ روحي فردي في السير إلى الله، لا عن إسقاط فريضة الصلاة عن الناس. والسؤال الساذج الذي “لا مكان له من الإعراب”، والذي يردده هاشم بلا سبب: “إذا كان الإنسان يرتقي عن صلاة الحركات، فلماذا لم يتركها النبي؟” يكشف جهله بطبيعة الاقتداء المحمدي نفسها. فالنبي ﷺ لم يكن يصلي لحاجته الشخصية إلى الترقي، فحسب، وإنما كان يُشرّع للأمة ويؤسس النموذج الكامل للاقتداء العام.
أما الحديث عن أحوال القرب الخاصة، فمبحثه التصوف الإسلامي كله، من الجنيد إلى ابن عطاء الله إلى ابن عربي، فلماذا يصبح كفرًا فقط حين يطرحه الأستاذ محمود محمد طه؟
ثم يأتي هاشم ليهرف بما لا يعرف حول تقسيم القرآن إلى مكيٍّ ومدني، كأن هذا التقسيم اختراعٌ جمهوري! فهذا تقسيمٌ قرآني أصيل أجمع عليه المفسرون، والجمهوريون لم يأتوا به من فراغ، بل قرؤوا دلالته التاريخية والتربوية. فالقرآن المكي قام على الحرية: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾، والقرآن المدني قام على الوصاية وتنظيم مجتمع القرن السابع الذي لم يبلغ بعدُ تلك الدرجة من النضج، فجاء بالتشريع المناسب لواقعه. فهل فهم سنة التطور في التشريع كفر؟ إن الكفر الحقيقي هو تجميد النص وتحويل الدين إلى متحف.
وأما هراؤه حول تفسير النفس الواحدة، فهو مثالٌ فاضح على النقل المبتور والتشويه المتعمد. فالفكرة الجمهورية لا تقول بحلولٍ ولا اتحادٍ ساذج كما يردد الجهلة، بل تقرر التوحيد بمعناه العرفاني الذي قال به كبار أهل المعرفة: أن الإنسان الكامل هو مرآة الأسماء الإلهية، لا أنه ذات الله تعالى. والفرق بين الأمرين كالفرق بين الشمس وصورتها في المرآة. لكن من لا يميز بين الرمز والحرفية لا يصلح أصلًا لخوض هذه المباحث.
ثم يبلغ الإفلاس مداه حين يستدعي هاشم التوم “إجماع العلماء”. وهذه حجة العاجز في كل عصر. فكم من حقٍّ حاربته المؤسسة الدينية باسم الإجماع ثم ثبت صدقه؟ ألم يُكفَّر الغزالي؟ ألم يُطعن في ابن رشد؟ ألم يُرمَ ابن عربي بالزندقة؟ الإجماع المزعوم ليس برهانًا، وإلا لما احتاج الناس إلى العقل أصلًا.
أما حديثه عن أن الفكرة الجمهورية ذهبت إلى “مزبلة التاريخ”، فهذه أضحوكة تكذبها الوقائع. فالأفكار الميتة لا تُخيف أحدًا، ولا “بتقوم نفس الدكاترة” والميت لا يحتاج إلى حملات تشويهٍ متواصلة. والذي يقلق خصوم الفكرة الجمهورية هو أنها ما تزال حية، متجددة، قادرة على مساءلة البنى الجامدة وكشف عجز الخطاب الديني التقليدي عن مخاطبة العصر. ولهذا يهاجمونها، لا لأنهم تجاوزوها، بل لأنهم عاجزون عن تجاوز أسئلتها.
إن صوت هاشم التوم وأمثاله ليس إلا نشازًا أخيرًا لخطابٍ يحتضر. أما الفكرة التي تقوم على الحرية، والعقل، والمسؤولية الفردية، وكرامة الإنسان، فلا تُدفن بالصراخ، ولا تُهزم بالتكفير، ولا تموت بتقارير الوصاية. لقد حاولوا دفنها من قبل، فخرجت من تحت الركام أكثر حضورًا. وسيحاولون مرةً أخرى.
وستخرج، كما خرجت دائمًا، كالعنقاء من قلب الرماد. أما هذه الخزعبلات التي يلوكها هاشم التوم، فمكانها الطبيعي ليس ساحة الفكر، بل مزبلة التاريخ؛ حيث تستقر كل دعاوى الوصاية حين يشرق فجر الحرية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..