{جمال ماخد شموخ بلدي .. وغناوي تُفرِّح الأطفال }

بقلم: شريف محمد شريف
“كتير بتناسى إيديَّ، واسيبها عِنِيه فوق إيدك، وادي عيونك احلى كلام، تعيِّد بيه يوم عيدك”.. هكذا كتب الأستاذ تاج السر عباس عن «الزول الصحي بريدك»، و«حكاية الريدة بيناتنا»حنينة بجيبها ليك غُناي، وحين غنَّى الفنان خوجلي عثمان كلماته، غنَّاها بإحساسه لا بصوته وحده، فسَرَى الإبداع في الأثير، وامتدَّ في المدى الرحب.
كانت أول مرة أتعرف فيها إلى الفنان الراحل خوجلي عثمان، وإلى قصة وفاته المحزنة، في إحدى عطلاتي وانا طالب بالمرحلة الثانوية، في سنوات الصبا الباكرة. كنت يومها أنتظر قدوم والدي ـ عليه الرحمة والمغفرة ـ من الخرطوم إلى الريف الوريف، وهو يحمل معه بعض الكتب الجديدة.
وعلى الرغم من عناء العطلة، وكدِّها، وضيق وقتها بسبب العمل المتواصل في المزرعة، كنت أسابق والدي إلى الكتب، وأختلس الزمن اختلاسًا لأطالع محتواها، اطَّلاعًا مُتعجِّلًا. ووقع اختياري يومها على كتاب الدكتور منصور خالد «جنوب السودان في المخيلة العربية: الصورة الزائفة والقمع التاريخي»، فوقفت فيه على مقالة بديعة بعنوان «زرياب وأهل الوساوس» ضمن ملحق الكتاب.
وكان «زرياب» المقصود هنا هو الفتى خوجلي عثمان، وهو لقبٌ ـ كما ذكر منصور خالد ـ أطلقه عليه أحد العليين، «زكي الفؤاد» علي المك، وكان من أنداده وجلسائه في مجالس الصفاء والطرب. ونقلًا عن منصور، فقد سمَّاه علي المك تيمّنًا بذلك الفتى الذي تعلَّم صنعة الغناء على يد إبراهيم بن المهدي، ثم أشجى أهل المشرق في بغداد، قبل أن يرحل إلى الأندلس، حيث احتضنه الحكم بن هشام، وتمايل أهل الأندلس جميعًا على شدوه العذب.
كانت مقالة آسرة، زاخرة بالمعاني والمباني، وظلت عالقة في ذاكرتي بشجنٍ آسر، واستماعٍ دائمٍ حزين لأغنيات الفنان الراحل خوجلي عثمان.
تذكَّرتها اليوم هنا، في ليل الغربة الطويل الوبيل، حين حضرت أميرة دواخلي، وحضرت بلادي العزيزة.
وأنا الآن أستمع إليها؛ الجسد هنا، والروح هناك!
وقديمًا قال شوقي، وهو في منفاه بالأندلس. وَسَلا مِصرَ هل سَلا القَلبُ عَنها أَو أَسا جُرحَهُ الزَمانُ المُؤَسَّي، كُلَّما مَرَّتِ اللَيالي عَلَيهِ رَقَّ وَالعَهدُ في اللَيالي تُقَسّي، وطني لو شُغِلتُ بِالخُلدِ عنهُ نازعَتني إِليهِ في الخُلدِ نَفسي.. !
فيا وطن الضياع المُر.. نحن أبناؤك في الحزن النبيل، ونحن أبناؤك في الفن الجميل«جمال ماخد شموخ بلدي».. !
فيا سودانُ.. أنا كم أخاف عليكَ من شوقي، وتحناني، ووجدي.



