أبعد من هدن النخب: “الديموقودية” كمنهجية أصيلة لهندسة سلام قاعدي مستدام في السودان

د. بخيت أوبي
شهد التاريخ المعاصر للسودان نزاعات وحروب أهلية متجددة انتهت إلى حلقة مفرغة من التسويات والاتفاقات الفوقية التي صيغت في عواصم وفنادق بعيدة عن أنظار المجتمعات المتضررة من نتائج هذه الأزمات وآثارها السالبة وجراحها العميقة في النفوس، بصورة تمثل بذرة جديدة لتجديد نفسها بشكل أكثر توسعًا ودمارًا للمجتمعات والشعوب على امتداد البلاد. إن الإصرار على هذه الصيغ وإعادة إنتاجها القائمة على الترضيات وتقاسم السلطة وتوابعها لم تكن عاجزة فقط عن وقف نزيف الدم والتخريب والدمار، بل أضحت وقودًا فاعلاً ونشطًا لتجدد الحروب وتفكيك ما تبقى من النسيج الاجتماعي.
أن الأزمة السودانية الراهنة، بما تشملها من تعقيدات وتحديات وجودية وبنيوية وتاريخية عميقة ومتجذرة، تفرض على الفاعلين المحليين والشركاء الإقليميين (الاتحاد الأفريقي، منظمة الإيفاد) والشركاء الدوليين (الأمم المتحدة، المجتمع الدولي) التحول الواعي من مربع الحلول الجاهزة والمفروضة إلى نموذج واقعي وعملي وفلسفي مستمد من الهوية السودانية التي تتجلى في “الديموقودية” (Demojoodiya).
من منظار الصدق الدبلوماسي، يمكن تشخيص علة هذه الأزمة المتطاولة في تبني بني معيوبة مقامة على المركزية المفرطة في احتكار جلّ للقرار السياسي والاقتصادي، وكذلك بتجاهل الأقاليم والمجتمعات الأصلية التي درجت على دفع الفواتير الباهظة للحرب. أدت هذه العيوب البنيوية إلى فشل مسارات السلام السابقة، وستؤدى حتمًا إلى فشل اللاحقة منها. إن هذه العيوب أدت إلى بروز عدم الثقة بين القواعد الشعبية ومؤسسات الدولة المركزية، التي لا تعبر واقعًا عن الوجدان الحضاري للشعوب السودانية مجتمعة، الأمر الذي أغفل جذور الأزمات المجتمعية على الأرض، مما يجعل هذه التسويات والاتفاقات الفوقية عبارة عن هدن مؤقتة تليها جولات من الحروب الجديدة.
أمام هذه العقبة التاريخية والانكفاء المصلحي الفوقي، تقدم “الديموقراطية” كـ “طريق ثالث” لبناء السلام وحل النزاعات، إذ أنها تدمج بين آليات الحداثة السياسية (التداول السلمي للسلطة، المواطنة، وحقوق الإنسان) وبين الأعراف والتقاليد والممارسات التراثية الراسخة على مدى قرون في الثقافة السودانية (الجودية، التوافق المجتمعي، معالجة الغبائن التاريخية).
إن “الديموقودية” ليست شطحة تنظيرية، بل هي هندسة سياسية قائمة على ركائز متينة وراسخة ووجودية:
1- قولبة ثقافية وتشذيب محلي للديمقراطية، وذلك بتحويل ممارساتها الجافة والنخبوية المعزولة إلى سلوك اجتماعي تستمد طاقته من قيم المجتمعات المحلية المتمثلة في قيم التكافل والتعاون والتراضي والتعايش.
2- تحديث الإدارة التقليدية وعصرنتها وتطوير أدواتها ودورها من إطفاء الحرائق والنزاعات إلى دور أوسع في الحوكمة وإدارة الموارد وحفظ السلام والمشاركة الفاعلة في صناعة السلام والدستور.
3- ديمقراطية القاعدة (Bottom-up): المشاركة الحقيقية في معالجة القضايا المصيرية، والانتقال الجذري نحو التعددية الفيدرالية التي تمنح الشعوب السودانية الأصيلة الحق في حفظ حقوقها التاريخية وإدارة شؤونها دون وصاية.
إذا أراد الوسطاء الأفارقة والإقليميون والمجتمع الدولي ضمان مسار تفاوضي يحمل في طياته مقومات الحياة والاستمرارية والاستدامة، بالنفاذ إلى وجدان الشعب السوداني المكلوم والمتأثر سلبًا بالحروب، يمكن وضع ثلاث توصيات استراتيجية عاجلة في ورقة السياسات:
أولاً: إعادة تصميم غرف التفاوض (Track 2): وأن يشمل ذلك إشراك ممثلي القواعد المجتمعية من النازحين داخليًا واللاجئين والقيادات الأهلية، لجان الطوارئ والخدمات، لجان المقاومة والقيادات الشبابية للمجتمعات، والتكوينات المدنية التقليدية والحديثة، في مسارات موازية للتفاوض ومؤثرة على اتجاهات صياغة القرار الرسمي الملزم، بجانب تبني خيارات العدالة المجتمعية المحلية كاليات أساسية في المصالحة الوطنية، والتعويضات المجتمعية، وجبر الضرر في المرحلة التي تلي الحرب.
ثانيًا: أن يتجاوز المانحين الدوليين والاقليميون وغيرهم الهياكل التقليدية، بحيث تقدم هذه المنح إلى المجالس المجتمعية المحلية، واللجان القاعدية، والمنظمات والمبادرات المحلية التي تقوم بإدارة الإغاثة والتنمية المحلية، لبناء حوكمة قاعدية ومستقلة يمكن أن تراقبها المجتمعات المحلية وتستفيد منها.
خلاصة القول، إن “الديموقودية” هي طوق نجاة مرن يوازن بين عقلنة السياسية وتأصيل الأخلاق، وهي ورقة مهمة أمام المجتمع الدولي ويجب أن تتبناها، لأنها تنقل البلاد من مرحلة “إدارة النزاعات النخبوية” إلى مرحلة جديدة ترتكز على “تأسيس السلام المجتمعي المستدام”، وهو خيار يؤسس على المحبة، والسلام، والعدالة، بديلاً عن وطن يتشظى ويتلاشى.


استاذي الفاضل
استميحكم عذرا في المشاركة بهذه الرؤية لتطوير مفهوم “الديمقودية”
يمكن تطوير مفهوم “الديمقودية” ليكون نموذجًا حيويًا متكاملًا لإدارة المجتمعات المتنوعة، مع التركيز على حل الإشكالات العميقة كالتفكك المجتمعي والانقسام العرقي والسياسي.
أبعاد التطوير المقترحة:
١. المؤسساتية التشاركية المعاصرة
· تحويل “مجالس الحوار (الحوش)” إلى هياكل مؤسسية معترف بها دستوريًا، مع تحديد أدوارها وصلاحياتها في صنع القرار على المستويات المحلية والوطنية.· إنشاء “مجالس حكمة” متعددة المستويات تجمع بين الحكماء التقليديين والمتخصصين الأكاديميين والشباب، لضمان مزج الحكمة التراثية بالمعرفة الحديثة.
٢. آليات منع الانقسام والتفكك
· تطوير نظام “الطرق السالكة” ليكون إطارًا مؤسسيًا يحدد قواعد الاختلاف المسموح به وحدود الخطاب العام، مع آليات وساطة فعالة لمنع تصاعد النزاعات.· إنشاء “مراصد اجتماعية” ترصد بواكير الانقسامات العرقية أو السياسية وتتدخل مبكرًا عبر حوارات مبنية على “روح المحبة والتسامح”.
٣. العدالة التصالحية التوزيعية
· تطوير مفهوم العدالة ليشمل “العدالة التصالحية” التي تعالج مظالم الماضي، و”العدالة التوزيعية” التي تضمن توزيعًا عادلًا للموارد والفرص بين جميع المكونات.· إقرار “حقوق ثقافية جماعية” تحفظ هويات المكونات المختلفة ضمن إطار الوحدة الوطنية.
٤. الانتخاب الصادق والنخب المؤهلة
· تطوير آليات “الاختيار الصادق” لتصبح نظامًا يدمج الانتخابات الدورية مع تقييم الكفاءة والمشاركة المجتمعية.· إنشاء “أكاديميات للقيادة المجتمعية” لتأهيل قادة مجتمعيين يجمعون بين الأصالة والحداثة، والالتزام بالقيم والكفاءة الإدارية.
٥. الوحدة في التنوع (تطوير مفهوم “القرن القوي”)
· صياغة “عقد اجتماعي جديد” يعترف بالتعددية ويبني هوية وطنية جامعة لا تلغي التنوع بل تحتضنه.· تطوير برامج “الذاكرة المشتركة” التي تسلط الضوء على التجارب التاريخية التي تعزز التماسك بدلًا من تلك التي تزيد الانقسام.
٦. الحوكمة الرشيدة المستمدة من القيم
· بناء نموذج حوكمة يجمع بين:· المشاركة الشعبية (من خلال مجالس الحوار)· الكفاءة التقنية (من خلال المؤسسات المتخصصة)· الرقابة الأخلاقية (من خلال هيئات الحكمة المجتمعية)· المساءلة الشفافة (من خلال آليات محاسبة واضحة)
تطبيقات عملية لمعالجة التحديات:
لمواجهة التفكك المجتمعي:
· إنشاء “منصات حوار دائمة” بين المكونات المختلفة تعمل على مدار العام وليس فقط في أوقات الأزمات.· تطوير “مشاريع تنموية مشتركة” تربط مصائر المكونات المختلفة عبر مصالح مشتركة.
لمواجهة الانقسام العرقي:
· اعتماد “النموذج التكاملي” في المؤسسات العامة الذي يضمن تمثيلاً عادلاً مع منع الاستقطاب العرقي.· إدراج “التربية على المواطنة المتعددة الثقافات” في المناهج التعليمية.
لمواجهة الاستقطاب السياسي:
· تصميم “نظام انتخابي” يشجع على التحالفات السياسية العابرة للانقسامات.· وضع “مدونة سلوك سياسي” تستند إلى قيم “الاحترام والتفاهم” و”الطرق السالكة”.
آلية التنفيذ المقترحة:
١. مرحلة التجريب المحلي: تطبيق النموذج في مناطق محددة كحاضنات تجريبية.٢. مرحلة التقييم والتعديل: تقييم النتائج وتعديل الآليات بناءً على الدروس المستفادة.٣. مرحلة التعميم التدريجي: تعميم النموذج مع مراعاة الخصوصيات المحلية.٤. مرحلة المؤسسة الدستورية: إدراج المبادئ الأساسية في الإطار الدستوري.
الخلاصة:
“الديمقودية” المتطورة يمكن أن تكون نموذجًا “ثالثًا” يتجاوز محدوديات الديمقراطية الليبرالية الغربية من جهة، والأنظمة التقليدية غير التمثيلية من جهة أخرى. وهي تحول القيم المجتمعية الأصيلة إلى آليات مؤسسية فاعلة، مع انفتاح على أفضل الممارسات العالمية.
هذا النموذج لا يقدم حلولاً جاهزة، بل يقدم “إطارًا عملياتيًا” لصناعة الحلول محليًا من قبل المجتمع نفسه، مما يضمن استدامتها وملاءمتها للخصوصيات الثقافية، مع تحقيق شمولية المشاركة وعدالة التوزيع وفعالية الأداء.
النجاح يتطلب جرأة في الابتكار المؤسسي، وصبرًا على عملية البناء التدريجي، والتزامًا حقيقيًا بالقيم المؤسسة
شكرا جزيلا يا دكتور على هذه الإضافة المهمة والقيمة، نأمل أن يتم مناقشة المفهوم وتطويره باستمرار من الجميع لنخرج البلاد من أزماته الممتدة والمتجددة.