مهازل القوم

التقي البشير الماحي
في العام 1997 عاد الجنرال المنشق رياك مشار وبمعيته عدد من الضباط ليتم منحهم رتبة عميد فما دون، ولعل من قلب في دفاتر التاريخ القريب قصد أن يربطنا بحاضرنا الماثل في مفارقة نخجل أن نقول فيها إن التاريخ يعيد نفسه، وأشخاصه ما زالوا ينفثون نفس سمومهم التي بها قتلنا مرة وها نحن نموت مرة أخرى.
قد يظنها البعض أنها محض كوميديا سوداء رتيبة، مجبرين نحن لمشاهدتها مرة أخرى، يجد فيها بعض الذين بهم عته متعة في متابعتها.
مشاهد من الظلم والإجحاف أن نقول إنها معادة في شخوصها، فنحن قد تدحرجنا كثيراً إلى الوراء رغم استلاف الشعارات الجاهزة كدولة 56 وتحالف التهافت الذي جمع الحلو وحميدتي.
من المبكيات المضحكات أن لغة الخطاب الأوبة لم تراع ترتيب الفاصل الزمني بين من كان أمس جنجويدياً وأضحى فلولياً، وأظن أن مبعث تشابه الخطاب وتطابقه كما بينه الدكتور صلاح الزين في سلسلة كتاباته في صحيفة مداميك وقد شبههم بالإله جانيوس ذو الرأسين، رأس جنجويدي والآخر فلولي، وهو تشبيه يلغي الفوارق بينهم. ونستعير من أدب التصوف مصطلح أن هؤلاء القوم مشربهم واحد، وهو مشرب آسن أوردنا الهلاك.
كاتب استدعى تاريخنا الإسلامي الذي هو حمال أوجه، وقد أُمرنا أن نحمله على أحسن وجه. اجتهد هذا الكاتب وهو اجتهاد مدفوع الثمن ليشبه لنا النور القبة وسافنا وبقال بأبي سفيان بن حرب. ورسولنا الكريم كان يحسن معاملته ويميزه بين القوم لمكانته عند فتح مكة وحتى بعد فتحها، فقد كان يميزهم في الفيء عند المعارك. وهو تشبيه مضحك في طرفيه.
فصحابة رسول الله كانت لهم أخلاق حتى وهم في كفرهم، لذلك قال رسول الله ﷺ: إنما بُعثت لأتمم مكارم الأخلاق، يا من لم يكن لك نصيب من اسمك.
الأمم المتحضرة التي لا يوجد فيها أمثال هؤلاء تقرأ التاريخ جيداً لتستلهم منه العبر والدروس، ليكون حاضرها أفضل من ماضيها، ولا تسوق البسطاء سوقاً إلى حتفهم، فشهداء العهد الماضي أضحوا فقط اسماء لشوارع متهالكة في مدن محطمة غُذّيت بتتار العصر ليضاعف لها الدمار، ولا يجد شهداء اليوم حتى ساحة تخلد أسماءهم ريثما نلتقط أنفاسنا ونواصل في حروب أخرى.
إن ما يُعاب على ما يحدث اليوم في مسرح العبث السياسي هو عدم احترامهم لعقلية المشاهد واستخفافهم به، فلا إبداع حتى في إجرامهم، ولا فاصل زمني بين سقوط وسقوط، فهي محض أزياء يتم تغييرها كما فعلوا يوم أن عزموا على فض الاعتصام فارتدوا أزياء بعضهم البعض. فهم قوم أخلاقهم واحدة، يجيدون فقط القتل والسحل، وهي حقيقة قالها يوماً المفكر الحاج وراق، إذ قال في 2013 رداً على سؤال لماذا لا توجد تفجيرات في المدن الآمنة في السودان؟ قال دعوهم يفقدون السلطة وسوف ترون ما يحدث. وها نحن اليوم لا نرى بل نعايش ما يصنعون، فبئس ما يصنعون.


