مقالات وآراء

عامٌ دراسي أم تجربةٌ قاسية على أجساد الأطفال وأعصاب الأسر؟

في ولاية الجزيرة، لم يعد العبث بالتعليم حادثةً عابرة يمكن تجاوزها ببيانٍ رسمي أو مؤتمر صحفي مزخرف بالوعود والبشريات.
لقد أصبح التخبط الإداري نفسه منهجًا قائماً، وأصبح التلميذ السوداني ــ خاصة في الولاية المنكوبة بآثار الحرب والانهيار الإداري ــ مجرد رقم يُزَجُّ به داخل تجارب مرتجلة لا تراعي علمًا ولا تربيةً ولا نفسية طفلٍ أنهكته الحرب والخوف والنزوح والجوع.
الخبر الذي أعلن فيه وزير التربية والتعليم بولاية الجزيرة، الأستاذ عبد الله أبو الكرام، انطلاق العام الدراسي في الأول من يونيو ٢٠٢٦، حاول أن يبدو كأنه إعلان انتصار إداري كبير: تعيين معلمين، ترقيات، “أسبوع للمعلم”، حديث عن الاستقرار، ووعود بتحسين البيئة التعليمية.
لكن خلف هذا الخطاب الرسمي اللامع تختبئ مأساة حقيقية، بل فضيحة تربوية مكتملة الأركان.
فالوزير يتحدث عن “استقرار الدراسة”، بينما آلاف التلاميذ الذين جلسوا لامتحانات المرحلتين المتوسطة والثانوية لم تظهر نتائجهم بعد، بل إن عمليات التصحيح نفسها ستبدأ متزامنة مع بداية العام الدراسي الجديد!
أي أننا أمام حالة عبث غير مسبوقة: تلاميذ يُدفَعون إلى صفوف جديدة قبل أن يعرفوا أصلًا هل نجحوا أم رسبوا.
وهنا تتكشف الكارثة.
إذ كيف يمكن لتلميذ أن يرتدي زيه الجديد، ويحمل كتبه، ويلتحق بمدرسة جديدة، ويتعرف إلى زملاء جدد، ثم يُقال له بعد أسابيع: “عذرًا… لقد رسبت، عد إلى مرحلتك السابقة”؟
أي عقلٍ تربوي يمكن أن يقبل بهذا؟ وأي مسؤول يملك الجرأة على تحويل حياة الأطفال إلى مقامرة إدارية بهذه القسوة؟
الأستاذ محمد إبراهيم الإمام وضع يده على الجرح الحقيقي حين كشف رد الوزير الصادم: أن يلتحق التلاميذ مباشرة بالصفوف الجديدة، ثم يوقعوا إقرارًا بعدم الاستمرار إذا لم ينجحوا لاحقًا!
ويا لها من مأساة تُكتب بدمٍ بارد.
إننا هنا لا نتحدث عن ملفات وأوراق ولوائح فقط، بل عن أطفال. عن مشاعر. عن أسرٍ بالكاد استطاعت، وسط الحرب والانهيار الاقتصادي، أن توفر رسوم الدراسة والزي المدرسي والكتب والمواصلات.
ثم تأتي الوزارة لتقول لهم عمليًا: “جرّبوا حظكم… وإن فشل أبناؤكم فعودوا إلى نقطة الصفر”.
إنها ليست مجرد ربكة إدارية، بل اعتداء نفسي وتربوي على جيل كامل.
فالطفل الذي يُنتزع من صفه الجديد بعد أسابيع سيشعر بالهزيمة والوصمة والانكسار أمام زملائه.
والأسرة التي دفعت الرسوم ستدخل في دوامة جديدة من الخسائر والإجراءات والإذلال.
أما المدارس فستتحول إلى ساحات فوضى بسبب تدافع التلاميذ دون نتائج نهائية، في ظل ضيق الاستيعاب أصلًا وانهيار البنية التعليمية.
ثم تأتي المفارقة الأكثر سخرية وألمًا: يسمون هذا “عامًا تعويضيًا”!
أي تعويض هذا الذي يُضغط في نحو سبعين يومًا فقط؟
وكيف يمكن تعويض شهور طويلة من الانقطاع والحرب والتهجير والفقد النفسي في فصل دراسي مبتور ومشوَّه؟
إن التعويض الحقيقي يحتاج إلى بيئة مستقرة، ومناهج مدروسة، ودعم نفسي، ومعلمين مؤهلين، وخطة تربوية متماسكة.
أما ما يجري الآن فهو مجرد محاولة يائسة للحاق الشكلي بركب الولايات الأخرى، ولو كان الثمن سحق الأطفال نفسيًا وتعليميًا.
ولعل السؤال الأكثر وجعًا: لماذا كل هذا الاستعجال أصلًا؟
لماذا لم يتم تأجيل العام الدراسي إلى أغسطس ٢٠٢٦ كما اقترح الأستاذ محمد إبراهيم الإمام، ليبدأ بصورة طبيعية وينتهي في أبريل ٢٠٢٧؟
أليس الانتظار لشهرين أكثر رحمة وعقلانية من تحويل التلاميذ إلى ضحايا لفوضى القرارات المرتجلة؟
لكن المأساة في الجزيرة لا تقف عند حدود التقويم الدراسي المضطرب.
فبيان لجنة المعلمين السودانيين بولاية الجزيرة يكشف وجهًا آخر أكثر قتامة: بيئة سياسية وإدارية مأزومة تُدار بعقلية التمكين والإقصاء وإعادة إنتاج الخراب القديم.
فاللجنة تتحدث عن لجان لتصفية العاملين وتشريدهم تحت لافتات جديدة، وعن إعادة تمكين عناصر الحركة الإسلامية، وعن استخدام الحرب غطاءً لإعادة السيطرة على مؤسسات الدولة والنقابات والوظائف العامة.
وفي خضم هذا الصراع المحموم على النفوذ، يضيع التعليم، ويُترك المعلم بلا حماية، ويُعامل التلميذ كأنه تفصيل صغير في معركة السلطة.
وهكذا يصبح التعليم نفسه ضحية حربٍ لا ترحم.
فالطفل في الجزيرة لا يواجه فقط أزمة مدرسة مدمرة أو منهج مرتبك، بل يواجه دولةً عاجزة عن إدارة أبسط حقوقه الأساسية.
دولةً تتعامل مع مستقبل الأجيال بمنطق “التجريب”، وتصدر القرارات ثم تبحث لاحقًا عن كيفية تنفيذها.
إن أخطر ما في هذه الكارثة ليس فقط ضياع عام دراسي، بل ضياع الثقة نفسها: ثقة التلميذ في المدرسة، وثقة الأسرة في الوزارة، وثقة المجتمع في أن هناك من يفكر فعلًا في مصلحة الأطفال.
وحين تصل مؤسسة التعليم إلى هذه الدرجة من التخبط، فإن الأمر لا يعود مجرد خطأ إداري، بل يصبح إنذارًا بانهيار أخلاقي كامل في طريقة إدارة الدولة لمستقبل شعبها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..