
لا تكتفي آلة الكذب الكيزانية بصناعة الأكاذيب في سوداننا الجريح، بل تحاول أن تصنع واقعًا كاملًا من الوهم، وأن تفرض على الناس أن يرقصوا فوق الرماد، ويصفقوا للمأساة، ويهتفوا لمن قاد البلاد إلى الخراب ثم عاد يقدّم نفسه في ثياب “المنقذ”.
إنها واحدة من أبشع حملات التضليل السياسي والإعلامي التي عرفها السودان الحديث، حيث تتداخل ماكينة إعلام الحركة الإسلامية مع جوقة “البلابسة” لتخدير الناس، وتزييف الوعي، وتحويل الكارثة الوطنية إلى مهرجان هتاف وأغانٍ رخيصة. يجمعون “القونات” وما يسمّون بالفنانين والشعراء المهابيل، أمثال مختار دفع الله، ويوظفون أجهزة الإعلام الرخيصة فيما يسمّونه بـ“حملة الالتفاف حول القيادة”. وهي ليست تعبيرًا عفويًا عن الوطنية كما يحاولون تصويره، بل عرض دعائي مبتذل، قائم على استغلال الخوف، وصناعة الهستيريا الجماعية، وإغراق الشارع في شعارات فارغة وأغانٍ هابطة، بينما السودان يتفكك، والدماء لم تجف بعد من طرقات المدن والقرى.
أيّ قيادة هذه التي يطلبون من الناس الالتفاف حولها؟ القيادة التي سلّحت المليشيات؟ أم القيادة التي صنعت الوحش ثم تظاهرت بمحاربته؟ أم القيادة التي فتحت أبواب البلاد، لسنوات، أمام الفساد والنهب والتمكين حتى انهارت الدولة على رؤوس أهلها؟ أم القيادة العاجزة عن حماية الشعب، رغم القسم الذي أقسمته؟ أم هي القيادة التي هربت ليلًا قبل أن تنبّه المواطنين إلى الهرب؟ أم القيادة التي تستجلب أسوأ ما ابتُلي به الدعم السريع من عناصر؟
المضحك المبكي أن الذين يرقصون في الشوارع على إيقاع تلك الأغاني التافهة، بعضهم لا يدرك أصلًا حجم المأساة التي يعيشها السودان، ولا يعرف أن من يُقدَّم اليوم في هيئة “المنقذ” كان جزءًا أصيلًا من صناعة الكارثة. أما البعض الآخر، فيرقص بدافع الرعب لا القناعة؛ يمارس النفاق السياسي في أقبح صوره، لأن الخوف في الأنظمة الشمولية كثيرًا ما يتحول إلى تصفيق، والذعر يتحول إلى هتاف.
لقد حاول إعلام الكيزان والبلابسة أن يصنع من الحرب مسرحية بطولية، بينما الواقع يقول إن المواطن السوداني هو الضحية الوحيدة. ففي الوقت الذي تُبث فيه الأغاني الحماسية، كانت البيوت تُنهب، والنساء يتعرضن للانتهاكات، والمدن تُدمَّر، والملايين يُهجَّرون من ديارهم. وفي الوقت الذي يطالبون فيه الناس بالالتفاف حول “القيادة”، كان السوداني البسيط يبحث عن جرعة دواء، أو رغيف خبز، أو مكان آمن ينجو فيه بأطفاله.
إن أخطر ما يفعله إعلام التضليل ليس فقط نشر الأكاذيب، بل تحويل المجرمين إلى أبطال، وتحويل الضحايا إلى متهمين، وتقديم الحرب باعتبارها “ملحمة وطنية”، بينما هي في الحقيقة طاحونة تسحق الإنسان السوداني بلا رحمة. لقد صار واضحًا أن هذه الحملات الإعلامية لا تهدف إلى حماية الوطن، بل إلى حماية السلطة. ولا تسعى لإنقاذ السودان، بل لإنقاذ المشروع القديم الذي احترف المتاجرة بالدين والوطن والدماء.
لكن مهما ارتفعت أصوات الطبول، ومهما انتشرت الأغاني والرقصات المصنوعة بعناية، فإن الحقيقة تبقى أقوى من كل هذا الضجيج: السودان لا يحتاج إلى مزيد من الهتافات، بل يحتاج إلى العدالة. لا يحتاج إلى صناعة أصنام جديدة، بل إلى دولة تحترم الإنسان. ولا يحتاج إلى إعلام يجمّل القبح، بل إلى وعي يكشف من أشعلوا الحرب، ومن استفادوا منها، ومن ما زالوا يتاجرون بدماء السودانيين حتى اليوم.
ومن أكثر صور التضليل بؤسًا ذلك الشعار الأجوف: “جيش واحد، شعب واحد”، في بلد تعج ساحته بأكثر من ثمانين مليشيا، من بينها ما يُسمّى بالجيش نفسه، بعد أن تمزقت المؤسسة العسكرية بفعل التسييس والتمكين، وتحولت البلاد إلى ساحة للسلاح والشعارات الجوفاء، بينما يظل المواطن السوداني وحده هو من يدفع الثمن.



