مقالات وآراء

شجرة الامتنان… حين يصبح الدعم النفسي حياةً تُزرع في أرواح الأطفال

في زمن الحروب والانكسارات، وفي واقعٍ أثقلته المآسي والنزوح والخوف والحرمان، يصبح الطفل أكثر الكائنات احتياجًا لمن يأخذ بيده نحو النور، لا بالطعام والدواء فقط، بل بالكلمة الطيبة، والاحتواء النفسي، وإعادة بناء المعنى داخل روحه الصغيرة.
ومن هنا تتجلّى القيمة العظيمة التي تقدمها هيأة إنقاذ الطفولة عبر برنامج نادي تحسين القراءة والكتابة، ذلك البرنامج الذي لم يقتصر على تعليم الحروف والكلمات، بل تجاوز ذلك ليبني الإنسان نفسه، ويعيد للأطفال قدرتهم على الفرح، والتعبير، والثقة بالحياة.
إن من أعظم ما يميز هذا البرنامج هو اهتمامه العميق بجلسات الدعم النفسي والاجتماعي، التي تُدار بروح تربوية وإنسانية عالية، فتتحول الجلسة إلى مساحة آمنة يتنفس فيها الأطفال، ويكتشفون ذواتهم، ويتعلمون كيف يعبّرون عن مشاعرهم وآلامهم وآمالهم.
وتأتي الجلسة الرابعة، الموسومة بعنوان: “فيه معنى لحياتي”، كواحدة من أجمل وأعمق الجلسات التربوية والنفسية التي يمكن أن يتعرض لها الطفل في بيئة أنهكتها الصدمات.
فهذه الجلسة لا تقدم للأطفال درسًا عابرًا، بل تمنحهم رسالة وجودية عظيمة: أن حياتهم لها قيمة، وأن وجودهم مهم، وأن داخل كل طفل نورًا يستحق أن يُرى.
أما نشاط “شجرة الامتنان”، فهو بحق من الأنشطة الملهمة التي تلامس القلب قبل العقل.
حين يجلس الطفل ليفكر: لمن أشعر بالامتنان؟ وما الأشياء الجميلة التي ما زالت موجودة في حياتي؟
فإنه يتعلم — دون تعقيد فلسفي — كيف ينتصر على مشاعر الفقد والخوف، وكيف يرى الجمال وسط الركام.
إن الطفل الذي يكتب اسم أمه، أو معلمه، أو صديقه، أو حتى كوب الماء، أو لحظة اللعب، على أوراق “شجرة الامتنان”، إنما يعيد بناء علاقته بالحياة نفسها.
فهذا النشاط البسيط في شكله، العميق في أثره، يزرع داخل الأطفال قيم الشكر، والأمل، والانتباه للنعم، ويخفف من حدة التوتر والقلق والحزن.
ولعل أعظم ما في هذه الأنشطة أنها تجعل الطفل شريكًا في صناعة تعافيه النفسي، لا مجرد متلقٍ للمساعدة.
فالطفل هنا لا يُعامل كضحية فقط، بل كإنسان قادر على التعبير، والتفكير، والنمو، واستعادة توازنه الداخلي.
إن البرامج التعليمية الحقيقية ليست تلك التي تكدّس المعلومات في العقول، بل التي تعيد بناء الإنسان من الداخل.
وهذا ما تنجح فيه هيأة إنقاذ الطفولة بجدارة، حين تجمع بين التعليم والدعم النفسي والاجتماعي، فتجعل من نادي تحسين القراءة والكتابة مساحةً للحياة، لا مجرد فصلٍ دراسي.
كل التحية والتقدير للميسرين والمعلمين والعاملين في هذا البرنامج الإنساني النبيل، الذين يزرعون الأمل في قلوب الأطفال، ويصنعون من الكلمات جسورًا نحو الشفاء، ومن الأنشطة الصغيرة أشجارًا كبيرة من الامتنان والمعنى والحياة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..