حكاية.. الوعظ الذي أشعل ألسنة اللهب

حكاية..
يرويها: حسن عبد الرضي
الوعظ الذي أشعل ألسنة اللهب
في مساءٍ خانقٍ من أمسيات أم درمان القديمة، كانت السماء منخفضةً على رؤوس الناس، كأنها تحمل نذرًا ثقيلًا لا يراه إلا القليلون.
كان الهواء الساخن يتسلل بين أزقة حارات مدينة الثورة الغربية، وصيوان العزاء المنصوب على عجل يمتلئ بالمعلمين والموظفين والجيران الذين جاءوا يواسون أسرة الفقيد، بينما كانت فناجين القهوة تدور ببطء بين الأيدي المرتجفة من التعب والحزن والخوف المكتوم.
جلس مأمون، المعلم الأربعيني، في طرف الصيوان يراقب الوجوه بصمت.
كان قد أمضى سنواتٍ طويلة في التعليم حتى صار يقرأ الناس كما يقرأ دفاتر تلاميذه؛ يعرف من ارتبك، ومن كذب، ومن يخفي وراء الكلمات شيئًا أخطر من الكلام نفسه.
في ذلك المساء، كان الأستاذ أحمد التوم يتوسط المجلس بثقةٍ زائدة، فهو زعيم كيزاني من الطراز الضخم.
كان صوته أعلى من الجميع، وحديثه لا يخلو من الوعظ والشعارات الثقيلة عن الدين والوطن والخيانة والمؤامرات.
كان يتحدث كما لو أنه وصيٌّ على الحقيقة، وكأن البلاد كلها لا تفهم إلا ما يقوله هو ومن يشبهونه.
لكن مأمون كان يعرف شيئًا آخر.
كان يعرف أن الرجل نفسه ظل لسنواتٍ يبرر الانقلابات، ويبرر القمع، ويعتبر الديمقراطية مجرد محطةٍ مؤقتة إلى أن “يستقيم الأمر” لأصحاب المشروع الكبير.
وكان يعرف أيضًا أن كثيرًا من الخراب الذي أكل البلاد بدأ دائمًا من الكلمات الصغيرة التي تُقال بثقةٍ داخل المجالس المغلقة، قبل أن تتحول إلى رصاصٍ في الشوارع.
وفجأة، وبينما كان النقاش يحتدم حول الاتفاق السياسي “الإطاري” الذي كانت البلاد تضج بأخباره، انحنى أحمد إلى الأمام، وضرب كفه على فخذه، ثم قال بصوتٍ سمعه كل من في الصيوان، بعد أن مسح على شاربه:
“لو قامت قيامة للإطاري، دا يقوم في بتي.”
ثم ابتسم.
ولم تكن ابتسامة رجلٍ يمزح، بل كانت ابتسامة شخصٍ يعرف أكثر مما يقول.
ساد الصمت للحظات، وبعض الحاضرين أشاحوا بوجوههم، وآخرون تبادلوا نظراتٍ قلقة.
أما مأمون، فقد شعر بشيءٍ باردٍ يمر في ظهره رغم حرارة المساء.
كان يعرف معنى الكلام.
ويعرف أن الذين يجلسون خلف الشعارات الدينية، حين يخسرون السياسة، يفتحون أبواب الحرب.
مرت السويعات سريعًا، ثم اشتعلت البلاد.
في صباحٍ رماديٍّ ثقيل، استيقظ مأمون على صوت المدافع يهز النوافذ.
رأى الدخان يتصاعد من أطراف العاصمة، وسمع ورأى الناس يركضون في الشوارع كأن القيامة قد بدأت فعلًا.
أُغلقت المدارس، وامتلأت المستشفيات، وتحولت المدينة التي كانت تضج بالحياة إلى خرائب متقطعة بين نقاط التفتيش والمتاريس والارتكازات.
وحين جلس مأمون في منزله بعد أسابيع من الحرب، تذكر تلك العبارة داخل صيوان العزاء.
لم تعد تبدو مزحة، بل بدت اعترافًا مبكرًا.
وفي إحدى الليالي، اجتمع عددٌ من المعلمين داخل مجموعة واتساب صغيرة.
كانوا يحاولون فقط أن يفهموا كيف وصلت البلاد إلى هذا القاع.
وفجأة ظهر اسم أحمد التوم داخل المجموعة برسالةٍ طويلة يعظ فيها الناس عن الأخلاق والدين والوطنية، ويتحدث كأنه بريءٌ من كل ما جرى.
قرأ الجميع الرسالة بصمت.
ثم كتب معلمٌ عجوز يُدعى عبد الرحيم:
“برز الثعلب يومًا في ثياب الواعظين.”
ملمحًا إلى أن الثعلب لا دين له.
فانتشرت الضحكات الساخرة داخل المجموعة، لكنها كانت ضحكاتٍ مُرّة، تشبه بكاءً متخفيًا.
بعدها بدقائق، كتب معلمٌ آخر:
“أها يا خوي، وقت أصلو الدين اكتمل عندكم، منو الجاب فقه السترة، وفقه التحلل، ونكاح الجهاد؟”
ثم ساد الصمت مرةً أخرى، لأن السؤال كان أكبر من مجرد سخرية.
كان سؤال وطنٍ كامل: كيف تحولت الشعارات الدينية إلى مظلاتٍ للفاسدين؟
كيف صار المال العام يُنهب، ثم يُقال للناس إن السارق “تحلل”؟
كيف أُبيح الربا حين احتاجته السلطة، ثم صار الفقراء يُجلدون باسم الشريعة؟
كيف تحولت الحرب إلى وسيلة حكم، والسلام إلى خطرٍ يهدد الامتيازات القديمة؟
كان مأمون يتابع الرسائل وهو يشعر أن السودان كله يُختصر داخل تلك اللحظات الصغيرة: بلدٌ أرهقته الخطب، وأكلته الشعارات، ودفن أبناءه تحت أنقاض المشاريع المؤدلجة.
تذكر زملاءه الذين ماتوا، والطلاب الذين تشتتوا، والمدارس التي تحولت إلى ثكنات، والمكتبات والبيوت التي احترقت، بعد أن اعتاد سكانها على “الشفشفة”، والمدينة التي كانت تحلم بالحياة، فإذا بها تُدفع مرةً أخرى إلى الخراب على أيدي الذين لا يعيشون إلا وسط الفوضى.
وفي الخارج، كانت أصوات الرصاص لا تزال بعيدة، لكنها مستمرة.
اقترب مأمون من نافذته ونظر إلى السماء المعتمة.
شعر لأول مرة أن المشكلة لم تكن يومًا في اختلاف الناس حول السياسة، بل في أولئك الذين احتكروا الدين لأنفسهم، ثم استخدموه سُلّمًا إلى السلطة، فإذا سقطوا أشعلوا البلاد كلها كي لا يسقطوا وحدهم.
وفي تلك اللحظة، أدرك شيئًا آخر.
أن الشعوب قد تصبر طويلًا…
لكنها لا تنسى.
لا تنسى من أشعل الحرائق ثم خرج يعظ الناس عن الوطن.
ولا تنسى من تاجر بالدين ليحرس الكرسي.
ولا تنسى الذين صنعوا الخراب، ثم وقفوا فوق الركام يتباكون على الرماد.



