الانتصار على خُطا المرأة

بقلم: حسن عبد الرضي
في كل مرة يظن فيها الطغاة أن بطشهم قد كسر إرادة الناس، تنهض المرأة السودانية لتعلن أن الكرامة لا تُشترى، وأن الحقوق لا تُستجدى، وإنما تُنتزع انتزاعًا. وما يحدث اليوم في ولاية كسلا، وما سبقها إليه من حراك شجاع في الولاية الشمالية، ليس مجرد احتجاجات مطلبية عابرة، بل علامة تاريخية فارقة تؤكد أن السودان، رغم الجراح والخراب والحرب والعسف، ما زال حيًا بنسائه الجسورات، وبمعلماته الصابرات اللاتي يحملن الوطن على أكتافهن ويمشين به وسط النار.
إن المعلمات السودانيات لم يخرجن اليوم، في كل الولايات، طلبًا للترف، ولا بحثًا عن امتيازات زائدة، وإنما خرجن دفاعًا عن أبسط حقوق الحياة الإنسانية: راتب يكفي، وكرامة تُصان، وحق مشروع في العيش دون إذلال أو تسول أو انتظار مُهين أمام أبواب المالية والسلطات الباردة القلوب.
أيُّ مأساة هذه التي تجعل معلمة أفنت عمرها في تعليم الأجيال تتقاضى ما لا يتجاوز بضعة دولارات هزيلة؟ وأيُّ عارٍ هذا الذي يجعل المرتبات تتأخر بالشهور، بينما تتكدس الخطب الجوفاء والشعارات الكاذبة فوق رؤوس الناس؟ إن ما يجري للمعلمين والمعلمات في السودان ليس مجرد أزمة إدارية، بل فضيحة أخلاقية كاملة، وانهيار مدوٍّ لفكرة الدولة نفسها.
لكن وسط هذا الظلام، يسطع نور المرأة السودانية. هذه المرأة التي ظن المستبدون طويلًا أنها ستصمت، فإذا بها تتقدم الصفوف، وتهتف للحق، وتقف في الميادين بثبات يربك الجبناء ويوقظ النائمين. لقد أثبتت المعلمات في الشمالية، مع زملائهن، واليوم في كسلا، وقبلها في أم درمان والجزيرة والنيل الأبيض، أن الطريق إلى الحقوق يبدأ حين تتحرك النساء الشريفات، وحين يتحول الصبر الطويل إلى موقف واضح لا يعرف المساومة.
ولعل أصدق ما يعبّر عن هذا المعنى ما حكاه أستاذنا الراحل المقيم هاشم فتح الرحمن، نفعنا الله بجاهه العريض، حين قال إنه سمع الأستاذ يقول، فيما معناه، إن: «مطلق امرأة سودانية صالحة، وهي مثل الموية تحت القش؛ تفج الموية وتشرب». وما أعمق هذه الحكمة! فالمرأة السودانية، في ظاهرها هادئة صابرة، لكنها حين تتحرك، تتحرك كقوة الحياة نفسها؛ تكسر الحواجز، وتشق الطريق، وتوقظ المعاني النبيلة في الأمة. إنها ليست مجرد نصف المجتمع، بل روحه الحقيقية، وضميره الحي، وقلبه الذي لم يمت رغم الخراب. ألم يقل العارفون إن «الصلاح امرأة»؟ بلى، قد قالوا.
إن من يتأمل بيانات لجنة المعلمين السودانيين، ويرى حجم المأساة التي يعيشها المعلمون في كسلا والجزيرة والنيل الأزرق ودارفور وكردفان والخرطوم وسنار وسائر الولايات، يدرك أن البلاد وصلت إلى مرحلة لا يحتمل فيها الصمت. فحين يُحرم المعلم من راتبه، تُهان المعرفة نفسها، ويُهان مستقبل الأطفال، ويُهان الوطن كله. ولهذا، فإن الوقفات الشجاعة التي تقودها المعلمات اليوم ليست مجرد احتجاجات مهنية، بل دفاع عن كرامة المجتمع بأكمله. وإذا لم تتصدر المعلمات هذا النضال، كما قال البيان بحق، فلن تأتي الحقوق أبدًا.
لأن المرأة السودانية، حين تؤمن بعدالة القضية، تصبح أقوى من القمع، وأصلب من الخوف، وأصدق من كل السياسيين والانتهازيين والمطبلين الذين باعوا ضمائرهم للسلطة أو للأحزاب. إن مواقف المعلمات تُبطل المقولة التي استهلكها الخانعون زمانًا: «المَرَة كان فاس ما بتكسر الراس»، فها هي اليوم تكسر رأس الظلم الغليظ بلا فأس، بل بما في الكراس. فالمرأة، دون عنف، للحق تنتصر.
لقد بدأت الشرارة في الشمالية، وها هي تمتد إلى كسلا، وستصل إلى الجزيرة والنيل الأبيض والنيل الأزرق والخرطوم ودارفور وكردفان وكل شبر في السودان. وليس ذلك لأن الناس يحبون الفوضى، بل لأن الكرامة الإنسانية لا يمكن دفنها إلى الأبد.
إن تجاهل السلطة المركزية لقضايا المعلمين لن يصنع استقرارًا، بل سيصنع غضبًا مشروعًا يتسع يومًا بعد يوم. فالحقوق لا تموت، وصوت الشجعان لا يُسكت، والظلم مهما طال فإن قلمه مكسور، كما يقول أهلنا بصدق عميق.
المجد للمعلمات السودانيات…
المجد للنساء اللاتي يفتحن الطريق للأمة كلها… المجد لمن وقفن في وجه الإذلال والإهانة، وقلن إن السودان يستحق حياة أفضل.
ويبدو حقًا أننا بدأنا نسير في الطريق الصحيح… الطريق الذي تمهده المرأة السودانية الجسورة بخطاها الواثقة… ذلك الطريق الذي يبدو فيه الحق منتصرًا على خُطا المرأة.



