الطيب صالح ولغة العهد الإمبراطوري :كيف افتضح محمد خلف الاستعمار البريطاني من داخل اللغة نفسها؟

في واحدة من أكثر الأوراق النقدية إثارةً للاهتمام، والتي قُدِّمت في جامعة اكسفورد ضمن فعالية بعنوان قراءة للطيب صالح في القرن الحادي والعشرين، يحاول الناقد الأستاذ محمد خلف أن يعيد قراءة رواية الطيب صالح ( موسم الهجرة الي الشمال ) بطريقة تتجاوز القراءة التقليدية التي حصرت الرواية طويلًا في ثنائية الشرق والغرب، أو في علاقتها المعقدة بالاستعمار والجنس والهوية.
إذ تذهب الورقة إلى منطقة أعمق وأكثر حساسية، حين تطرح سؤالًا يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه شديد الخطورة في جوهره: كيف استخدمت الإمبراطورية البريطانية اللغة الإنجليزية نفسها كأداة لإدارة السودان وإعادة تشكيل وعي السودانيين خلال فترة الحكم الإنجليزي–المصري؟
هنا لا يعود مصطفى سعيد مجرد شخصية روائية لامعة، أو عقلًا استثنائيًا خرج من قرية صغيرة عند منحنى النيل ليصدم لندن، بل يتحول إلى نافذة واسعة لفهم الطريقة التي صاغ بها الاستعمار عقل المتعلم السوداني، وحدود المعرفة التي سُمح له بامتلاكها، والمساحة التي مُنع من تجاوزها.
تكمن قوة الورقة في أنها لا تتعامل مع اللغة بوصفها أداة تواصل بريئة، وإنما باعتبارها جزءًا من ماكينة الهيمنة ذاتها.
فالإدارة البريطانية في السودان، كما يشير محمد خلف، لم تكن تملك العدد الكافي من الإداريين والموظفين القادرين على إدارة بلد مترامي الأطراف ومعقد البنية مثل السودان، ولذلك احتاجت إلى تكوين طبقة سودانية تساعدها في تشغيل جهاز الدولة الحديث، لكنها في الوقت نفسه لم تكن راغبة — أو ربما لم تكن قادرة — على خلق سوداني يمتلك أدوات اللغة كاملة، لأن امتلاك اللغة بالكامل يعني امتلاك القدرة على التفكير الحر والنقاش والمواجهة.
ولهذا جاءت سياسة التعليم الإنجليزية في السودان قائمة على ما يمكن تسميته بـ«تفتيت اكتساب اللغة»، أي تعليم القراءة بدرجة أساسية مع إضعاف مهارات المحادثة والكتابة والاستماع، بحيث يصبح المتعلم قادرًا على فهم التعليمات والعمل داخل الجهاز الإداري، أو ما يمكن تسميته بطبقة «الأفندية»، دون أن يتحول إلى ذات مستقلة تنافس المستعمِر في فضائه الثقافي والمعرفي والتفكير الحر .
ومن هنا تبدو شخصية مصطفى سعيد داخل عالم الطيب صالح أشبه بخطأ استعماري نادر، أو استثناء كشف هشاشة القاعدة كلها.
فذلك الفتى الذي عبر المراحل التعليمية بسرعة مذهلة، وأتقن الإنجليزية كما لو أنها لغته الأم، لم يكن مجرد تلميذ متفوق، بل كان اختراقًا رمزيًا للجدار الذي حاول الاستعمار بناءه بين «المعرفة المسموح بها» و«المعرفة الخطرة».
ولذلك يلتقط محمد خلف بذكاء بالغ تلك العبارة التي يقول فيها المأمور المتقاعد إنهم كانوا ينطقون الإنجليزية كما لو كانت عربية، بينما كان مصطفى سعيد يلفظ الكلمات كأنها تخرج من فم رجل إنجليزي حقيقي.
وهذه ليست مجرد ملاحظة لغوية عابرة، بل شهادة كاملة على طبيعة النظام التعليمي الاستعماري نفسه، وعلى الفارق بين من تعلم اللغة باعتبارها أداة وظيفية محدودة، ومن استطاع تحويلها إلى سلاح ثقافي ونفسي يخترق مركز الإمبراطورية ذاته.
وما يجعل الورقة أكثر عمقًا أنها لا تقف عند حدود الرواية بوصفها عملًا أدبيًا مغلقًا، بل تحاول تفكيك ما تسميه «الآثار» أو «العلامات» التي تركها الطيب صالح داخل النص، تلك الخيوط الصغيرة التي تقود القارئ إلى طبقات أعمق من المعنى.
فمصطفى سعيد لا يظهر كشخصية مكتملة وواضحة منذ البداية، بل كأثر غامض يحتاج إلى إعادة تركيب؛ من القصيدة التي ألقاها وهو مخمور في بيت محجوب، إلى الغرفة المغلقة ذات السقف المائل، إلى الوثائق وجوازات السفر والأوراق المختومة، وكأن الطيب صالح كان يدعو قارئه إلى لعب دور المحقق الثقافي الذي يعيد اكتشاف الشخصية، لا باعتبارها فردًا فقط، وإنما باعتبارها نتاجًا لتاريخ كامل من الاستعمار والتشظي والهويات الممزقة.
وتصبح الورقة أكثر إثارة حين تربط بين مصطفى سعيد وشخصية «منسي» في رواية ( منسي إنسان نادر على طريقته ) إذ يرى محمد خلف أن الشخصيتين تتحركان داخل الفضاء البريطاني بالطريقة ذاتها تقريبًا، فكلاهما يمتلك براعة مذهلة في استخدام الإنجليزية، وكلاهما يستخدم اللغة بوصفها أداة استعراض واداء ومرواغة أحيانًا.
غير أن مصطفى سعيد يبدو مأساويًا ومحمّلًا بعقد التاريخ والاستعمار، بينما يبدو «منسي» أكثر خفة وسخرية، أقرب إلى الكوميديا السودانية الساخرة التي تواجه المركز الإمبراطوري بالذكاء والمرح لا بالعنف.
ومع ذلك، فإن الشخصيتين تكشفان معًا كيف يمكن للغة التي أرادها الاستعمار أداة طاعة وانضباط أن تتحول أحيانًا إلى أداة اختراق ومشاغبة وإرباك للمركز نفسه.
وربما أكثر ما يمنح الورقة راهنيتها أنها لا تتحدث عن الماضي بوصفه زمنًا منتهيًا، بل ترى أن آثار تلك السياسات التعليمية لا تزال حاضرة حتى اليوم في الشخصية السودانية الحديثة.
ففي كثير من الأحيان لا يزال المتعلم السوداني يعيش داخل حالة من التردد اللغوي، يتنقل بين العربية والإنجليزية داخل الجملة الواحدة، ويشعر بأن الإنجليزية لغة يعرفها لكنه لا يمتلكها بالكامل، وكأن الاستعمار غادر جغرافيًا لكنه ترك. دي وراءه نظامًا كاملًا من الارتباك الثقافي واللغوي.
ولهذا تصبح اللغة هنا مرآة لأزمة أوسع تتعلق بالهوية والتعليم والحداثة الناقصة، وهي الفكرة التي تجعل ورقة محمد خلف تتجاوز مجرد النقد الأدبي لتتحول إلى قراءة سياسية وثقافية في تاريخ السودان الحديث كله.
ولعل أجمل ما في هذه القراءة أنها تعيد تقديم الطيب صالح لا بوصفه روائيًا يكتب بحنين رومانسي إلى السودان القديم، بل كمفكر أدرك مبكرًا أن أخطر ما يفعله الاستعمار ليس احتلال الأرض فقط، وإنما إعادة تشكيل الوعي نفسه.
ولذلك ظل مصطفى سعيد حيًا في الذاكرة العربية والعالمية، لا لأنه أغوى نساء لندن كما اختزلته بعض القراءات السطحية، بل لأنه كان ابنًا عبقريًا لمأزق سوداني عميق، مأزق وطن ظل طويلًا يتحدث بأكثر من لسان، ويحاول حتى اليوم أن يعثر على صوته الحقيقي.
Abdelaziz Abuaglah
لندن – مايو 2026
المراجع:
ورقة الأستاذ محمد خلف المقدمة في University of Oxford بعنوان:
Mustafa Sa’eed and Mansi: How the British fragmented acquisition of the English language to consolidate their imperial rule in Anglo-Egyptian Sudan (1899–1955)
كتاب المتن الروائي المفتوح: فن القص السردي عند الطيب صالح للناقد محمد خلف




شتان ما بين النقد الادبي، والنقد الحقدي ،
لم نري اثرا لجزار المتمة ،المستسلم لعدوه في هذه الاطروحة الممتازة.
كما يقول المثل ،كل يغني علي ليلاه.
شكرا استاذ ابوعاقلة.
تمام تمام ، ولسبب معروف و مفهوم ضمنياً ، مثل ما كتبت هذا التعليق الايجابي و المدح في حق الاستاذ ابوعاقلة (وهو يستحقه بالتاكيد)، حاول ولو لمره واحدة في حياتك كتابة جمله منصفه و محايدة في حق المعذبك دوماً و المجننك بكتاباتة – المبدع الباشمهندس د. الوليد مادبو.