مقالات وآراء

لجنة المعلمين السودانيين… (٢ – ٢)

حين يصبح الوعي قوةً والحقُّ طريقاً للنصر

كنتُ، كما قلت سابقا، قد أضمرتُ في نفسي أن أكتب عدد من المقالات أقول فيها للجنة المعلمين السودانيين: احسنت.
وكنت اتحين فرصة مناسبة منذ فترة طويلة حتى أجد ما اكتبه عن لجنة المعلمين السودانيين، مع أن ليس للجنة المعلمين السودانيين حاجة إلى شهادة من أحد، إذ ليس جهودها خافية على الناس، وإنما خوفاً من أن أعجز عن إنصاف تجربةٍ عظيمةٍ حملت على عاتقها ما تنصلت عنه مؤسساتٌ كاملة، وما عجزت عنه أجسامٌ ونقاباتٌ كانت تدّعي تمثيل المعلمين والمعلمات.
غير أن البيان الناضج الذي أصدرته لجنة المعلمين السودانيين حول حراك معلمي ولاية الجزيرة جعل الصمت تقصيراً، وجعل الإشادة واجباً أخلاقياً قبل أن تكون حقاً مستحقاً.
فهذا البيان، وقد تحدثت عنه في مقالي الاول، لم يكن مجرد تعليقٍ على حدثٍ عابر، ولم يكن محاولةً لمجاراة المزاج العام أو ركوب موجة الاحتجاجات، وإنما كان وثيقةً سياسيةً ومطلبيةً وتنظيميةً تعكس خبرة سنوات طويلة من العمل الدؤوب وسط المعلمين، وفهماً عميقاً لطبيعة الصراع بين أصحاب الحقوق والسلطات التي اعتادت المماطلة والتسويف.
لقد كانت لجنة المعلمين السودانيين، منذ تأسيسها، الراعي الحقيقي لكل حراكٍ مطلبي جاد في قطاع التعليم.
وكانت، وما تزال، الصوت الذي لم ينكسر، والمنبر الذي لم يُشترَ، والضمير الذي ظل يقف إلى جانب المعلمين والمعلمات في أحلك الظروف وأقساها.
في الوقت الذي كانت فيه بعض الأجسام النقابية المصنوعة على مقاس السلطة تتفرغ لتبرير الفشل وتجميل القبح والدفاع عن سياسات الإفقار، كانت لجنة المعلمين تعمل بصمتٍ وإصرار على رفع الوعي وسط القواعد، وتبصير المعلمين بحقوقهم، وتعريفهم بالوسائل المجربة والمبتكرة لانتزاع تلك الحقوق.
وليس من الإنصاف أن يُذكر هذا الدور دون الوقوف بإجلال أمام الكوكبة الرائعة التي حملت هذا العبء الثقيل سنواتٍ طويلة.
ما قام به الأستاذ سامي الباقر ليس بالأمر الهيّن.
وما بذلته الأستاذة درية أحمد بابكر من جهدٍ في التوعية والتنظيم والدفاع عن قضايا المعلمين سيظل جزءاً من التاريخ المشرق للحركة المطلبية السودانية.
وكذلك الأستاذ عمار يوسف، والأستاذ علي عبيد، والأستاذ معاوية وراق، والدكتور بشير نائل، وبقية أعضاء المكتب التنفيذي ومكتب الإعلام والكوادر الميدانية التي ظلت تعمل بعيداً عن الأضواء، مؤمنةً بأن المعركة الحقيقية ليست معركة أفراد، وإنما معركة كرامة وحقوق ومستقبل أجيال.
(مع شديد الأسف فقد حجبت بعض الاسماء لظروف خاصة).
لقد كان ظهورهم المتواصل في القنوات الفضائية، ومخاطبتهم للرأي العام، وبياناتهم المتتابعة، وقراءتهم الدقيقة للمشهد، عاملاً أساسياً في بناء هذا الوعي المتنامي وسط المعلمين والمعلمات.
فالحراك لا يولد من فراغ، والإضرابات الناجحة لا تنشأ بقرارٍ مفاجئ، وإنما تسبقها سنوات من التوعية والتنظيم والتثقيف والتراكم.
وهذا بالضبط ما قامت به لجنة المعلمين السودانيين.
لقد نجحت اللجنة في تحويل حالة التذمر الفردي إلى وعيٍ جمعي، وتحويل الشكوى المتفرقة إلى مطالب واضحة، وتحويل الإحباط إلى فعلٍ منظم.
ولذلك لم يكن غريباً أن تصبح المرجعية الطبيعية لكل حراكٍ مطلبي جاد، وأن تتحول بياناتها إلى وثائق يسترشد بها المعلمون في مختلف الولايات.
واللافت في بيانها الأخير حول حراك معلمي ولاية الجزيرة أنه لم يكتفِ بتشخيص الأزمة، بل وضع خارطة طريق واضحة ومسؤولة للتحرك المطلبي.
فلم يدعُ إلى الفوضى، ولم يزايد على أحد، وإنما أكد على المسارات القانونية والتنظيمية، وعلى وحدة الصف، وعلى وضوح المطالب، وعلى التدرج في التصعيد حتى الوصول إلى الإضراب الكامل إذا استدعت الضرورة ذلك.
وهذه هي القيادة الحقيقية: أن تجمع بين الحزم والحكمة، وبين الجرأة والمسؤولية.
إن السلطة التي ظنت يوماً أن تجويع المعلمين سيكسر إرادتهم، وأن تأخير المرتبات والمتأخرات والعلاوات سيجبرهم على الصمت، بدأت تكتشف اليوم أن الوعي أخطر من كل أدوات القمع.
وأن المعلمين الذين صبروا على الحرب والنزوح وانهيار الخدمات وتجويع أسرهم لن يتخلوا عن حقهم في حياة كريمة.
ومن حق لجنة المعلمين السودانيين أن تفرح اليوم بما ترى من ثمار جهدها.
فكل معلم عرف حقه، وكل معلمة رفعت صوتها بالمطالبة المشروعة، وكل حراكٍ منظمٍ يقوم على الوعي والانضباط، يحمل في داخله شيئاً من أثر تلك السنوات الطويلة التي قضتها اللجنة في التثقيف والتنظيم والتبصير.
إن ما نشهده اليوم ليس وليد اللحظة، بل هو حصاد سنوات من العمل الصبور.
ولهذا أقول: هنيئاً للجنة المعلمين السودانيين هذا الثمر الناضج.
وهنيئاً للمعلمين والمعلمات أن وجدوا جسماً ظل وفياً لقضاياهم حين غاب الآخرون، وثابتاً على مبادئه حين تراجع المتراجعون، وصامداً في وجه الضغوط حين اختار كثيرون طريق السلامة الشخصية.
وإذا كان للحراك الحالي أن يحقق نصراً قريباً بإذن الله، فإن من العدل أن يُقال إن لجنة المعلمين السودانيين كانت من أوائل الذين غرسوا شجرته، وسقوها بالصبر والوعي والعمل المتواصل، حتى أثمرت هذا الربيع المطلبي الجميل.
عاش نضال المعلمين من أجل الحقوق كاملة غير منقوصة.
المجد لكل من حمل همَّ التعليم، ودافع عن كرامة المعلم، وانتصر لقضايا العاملين في هذا القطاع الحيوي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..