مقالات وآراء

برومو: سلسلة التجربة الرواندية بين الإبادة والإرادة والريادة

عبدالوهاب محمد جعفر

*الأغبياء وحدهم يتعلمون من تجاربهم. وأنا أتعلم من تجارب الأغبياء.*
 *أوتو فون بسمارك*
بين أيديكم واحدة من أغرب تجارب الآخرين حرب الإبادة الرواندية بين الهوتو والتوتسي، والتي راح ضحيتها قرابة المليون مواطن.
هذه ليست قصة تاريخية أو رواية خيالية، بل حقيقة مؤلمة عاشها الشعب الرواندي في منتصف تسعينات القرن الماضي، هذه الحلقات ليس عن مأساة رواندا، بل إنها تتحدث عن مأساتنا نحن.
هل نتعظ من معاناة شعب نهض من تحت ركام الإبادة والضياع والدمار، شعب آمن بمقدراته، قاوم المستحيل بالإرادة، وحارب الفتن بالعمل لا بالكلام، فكانت لهم الريادة، فالعالم اليوم يقف مذهولاً ورواندا على أعلى قمم التقدم والازدهار.
التجربة الرواندية هي مرآة حقيقتنا مجردة من المساحيق لنرى وجهنا المزري من خلالها، جاءتنا من الماضي القريب لتكشف سوءات حاضرنا، وظلمة مستقبلنا، وضلال طريقنا، بين كيجالي والخرطوم نفس الملامح والشبه، نفس خطاب الكراهية والتحريض، نفس إعلام الضلال، نفس تجارة المواقف، نفس سلاح التفلت، هم دفعوا الثمن قبلنا وحاسبوا على مشاريبهم، فماذا نحن فاعلون؟
هي البوصلة التي ترشدنا لطريق الفلاح، نستلهم منها الدروس والعبر، دولة غارقة في الجهل والفقر والقبلية إنزلقت في جحيم الفتن، عاشت أسوأ إبادة جماعية في العصر الحديث.
إعلام الفتن ينشر الجهل ويحرض على القتل، الجار يذبح جاره، الصديق يقتل صديقه، الطالب ينحر معلمه، 100 يوم مقتل قرابة مليون شخص من قبيلة واحدة.
بعد كل هذه المجازر انتصرت الأقلية وحَكَم المظلوم، فكانت حِكمة القائد، كلمة واحدة (أرضاً سلاح) أوقفت شلالات الدماء.
ثم ماذا بعد؟
أسكتوا الإعلام، فتحوا المدرسة، قبروا الفتنة، محاكم أهلية على قارعة الطريق، حاكموا المجرم، سامحوا القاتل المخدوع، ضمّدت الجراح حذفت القبلية من القلوب قبل الأوراق، ضد الفساد عقيدة، الوطنية تُدرس للأطفال قبل الحروف الأبجدية، اليوم كيجالي أنظف عاصمة في القارة، أسرع نمو اقتصادي، اقتصاداً رقمياً بلا موارد، تحولت بلد المليون قتيل إلى سنغافورة أفريقيا، رواندا صفر فساد.
هذه السلسلة لكل من يشكك في مقدرة شعبه على النهوض، لكل من يشكك هل من أمل؟ لكل من يظن أن البلد انتهت، لكل من يحمل السلاح ويظن أنه يحمي القضية، لكل من ينشر الكراهية ويظن أنه يدافع عن الدين والبلاد وارزاق العباد، لكل من فقد الثقة في النهوض.
هذه السلسلة ليست بكاءً على قتلى رواندا، وليست تمجيداً لشخصية قائد، بل هي يد نضعها على الجرح النازف لنقول: هناك من نهض، هناك من قاوم، هناك من زرع من بنى من تعلم من نجح.
هذا طريق الدمار… وهذا طريق الإعمار.
حلقات مباشرة صادمة موجعة لكنها تفتح باباً للأمل، لا تجميل لا دبلوماسية لا كلمات منمقة نسمي الأشياء بأسمائها.
الأوطان تنهض بالإرادة، وتنتصر بالعزيمة، وتُبنى بسواعد بنيها.
رسالة من قلب المقابر الجماعية بكيجالي إلى قلب الوطن النازف:
هم سقطوا قبلنا… فهل ننهض مثلهم؟
السؤال ليس: هل سننهض؟
السؤال: هل سننتظر مليون قتيل حتى نتعلم كالآخرين؟.
إلى الحلقة الأولى،،،

‫3 تعليقات

  1. تحية طيبة للكاتب على هذا الطرح الشجاع. استخدام تجربة رواندا كبوصلة هو اختيار ذكي، لأن رواندا أثبتت للعالم أن الإرادة السياسية والوعي المجتمعي قادرا على هزيمة أعتى خطابات الكراهية.
    إن ما نعيشه اليوم من ‘إعلام الضلال’ وتفلت السلاح هو كربون حيّ لما سبَق محرقة رواندا عام 1994. الدرس الأهم الذي قدمته هنا هو أن الحل يبدأ من ‘أرضاً سلاح’ وتطهير النفوس قبل الأوراق. مقال صادم ومطلوب في هذا التوقيت الحرِج. في انتظار بقية السلسلة لتفكيك آليات النهوض ومحاربة أمراضنا المجتمعية

  2. أهنئكم علي هذا المقال الرائع. قد يكون من المناسب أن تقدم تفصيلا عن تجربة روندا. نعم التخلص من خطاب الكراهية وأسبابه هام جدا. كذلك استغلال الدين في العملل السياسي، كارثة يججب التخلص منها (تجربة حكم الثلاثين سنة)، وتجربة الانقلابات العسكرية. ونهب ثروات البلاد، والافلات من العقاب،. كلها كوارث يجب التطرق لها.
    ننتظر باقي المقالات حول تجربة رواندا.
    يسلم يراعك.

  3. التجربة الرواندية دروس وعبر لمن يعتبر وهذه السلسلة تصور لنا رواندا قبل وبعد والأهم كيف

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..