مقالات وآراء

الأزمة السودانية منذ الاستقلال  إشكالية الهوية الوطنية.. الجرح الذي لم يلتئم (2)

زكريا علي عبدالرسول

إذا كانت الانقلابات والحروب الأهلية تمثل أعراض الأزمة السودانية، فإن السؤال المرتبط بالهوية الوطنية يمثل أحد أهم جذورها العميقة. فمنذ الاستقلال، ظل السودان يواجه تحدياً أساسياً يتمثل في كيفية بناء دولة تتسع لتنوعه الثقافي والإثني واللغوي والديني الهائل.
ورث السودان عند الاستقلال رقعة جغرافية شاسعة وشعوباً متعددة الأعراق والثقافات والعادات والتقاليد. وكان يفترض أن يشكل هذا التنوع مصدر قوة وإثراء للدولة الوطنية الناشئة، لكنه تحول في كثير من الأحيان إلى مصدر للتجاذبات السياسية والصراعات بسبب غياب رؤية وطنية جامعة قادرة على استيعاب الجميع تحت مظلة المواطنة المتساوية.
ومنذ السنوات الأولى للاستقلال، برزت خلافات حول طبيعة الدولة وهويتها. هل هي دولة عربية أم أفريقية؟ هل تستند إلى مرجعية ثقافية واحدة أم إلى تعددية ثقافية واسعة؟ وهل تكون المواطنة وحدها أساس الحقوق والواجبات أم أن الانتماءات العرقية والثقافية تظل مؤثرة في توزيع الفرص والنفوذ؟
هذه الأسئلة لم تجد إجابات حاسمة، بل ظلت تتكرر بأشكال مختلفة عبر العقود. ومع مرور الوقت، انتقلت من مستوى النقاش الفكري والسياسي إلى ساحات الصراع المسلح، حيث شعرت مجموعات وأقاليم عديدة بأن هوياتها وثقافاتها ومصالحها لا تجد تمثيلاً عادلاً داخل الدولة المركزية.
ولم يكن الخلل في التنوع نفسه، فالتنوع سمة طبيعية في معظم الدول الحديثة، بل في طريقة إدارة هذا التنوع. فالدول الناجحة تمكنت من تحويل اختلاف مكوناتها إلى مصدر قوة وطنية، بينما أدى الفشل في إدارة التنوع في السودان إلى إنتاج شعور متبادل بالتهميش وعدم الثقة بين المركز والأطراف.
كما ساهم الخطاب السياسي في بعض المراحل في تعميق الانقسامات بدلاً من معالجتها. فبدلاً من بناء مفهوم جامع للمواطنة، برزت أحياناً خطابات تقوم على الاستقطاب العرقي أو الجهوي أو الثقافي، وهو ما أدى إلى زيادة الحساسيات بين المكونات المختلفة وإضعاف الشعور بالانتماء الوطني المشترك.
ولعل أخطر ما نتج عن أزمة الهوية هو انتقالها من المجال السياسي إلى المجال الاجتماعي. فحين تصبح الانتماءات الأولية أكثر تأثيراً من الهوية الوطنية الجامعة، تبدأ الدولة في فقدان أحد أهم مقومات استقرارها. وعندما يشعر المواطن بأن قبيلته أو جهته أو جماعته توفر له الحماية والفرص أكثر مما توفره الدولة، فإن مفهوم الدولة الوطنية نفسه يصبح عرضة للاهتزاز.
لقد كشفت الحروب المتعاقبة في جنوب السودان سابقاً، وفي دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، ثم حالة الاستقطاب التي صاحبت الحرب الحالية، أن قضية الهوية ما تزال حاضرة بقوة في المشهد السوداني. بل إن بعض الخطابات السياسية المعاصرة أعادت إنتاج مفردات الإقصاء والتصنيف العرقي بصورة تهدد ما تبقى من النسيج الوطني.
غير أن التاريخ السوداني يقدم في المقابل شواهد عديدة تؤكد إمكانية بناء هوية وطنية جامعة. فقد تعايشت المكونات السودانية المختلفة لعقود طويلة، وأسهمت جميعها في صناعة تاريخ البلاد وثقافتها واقتصادها وحياتها العامة. كما أن التجربة السودانية نفسها أثبتت أن المصالح المشتركة بين السودانيين أكبر بكثير من عوامل الاختلاف بينهم.
إن التحدي الحقيقي اليوم لا يتمثل في حسم الجدل حول أي الهويات أحق بالسيادة، بل في بناء دولة تجعل جميع الهويات مكونات طبيعية داخل إطار وطني واحد. فالدولة الحديثة لا تُبنى على إلغاء التنوع، وإنما على إدارته بعدالة وحكمة، بحيث يشعر الجميع بأنهم شركاء متساوون في الوطن.
ولهذا فإن أي مشروع وطني للخروج من الأزمة السودانية لا بد أن يبدأ من ترسيخ مبدأ المواطنة المتساوية، واحترام التنوع، ورفض كل أشكال العنصرية والإقصاء والاستعلاء الثقافي أو العرقي. فالأمم لا تنهض حين تنتصر مجموعة على أخرى، وإنما حين يقتنع الجميع بأن مستقبلهم المشترك أهم من خلافاتهم.
وفي هذا السياق، يمكن القول إن أزمة الهوية ليست مجرد فصل من فصول الأزمة السودانية، بل هي أحد المفاتيح الرئيسية لفهم كثير من الصراعات التي شهدتها البلاد منذ الاستقلال وحتى اليوم.
تحياتي

تعليق واحد

  1. أهنئك علي هذا المقال الرائع. لقد لمست جذور أزمة البلاد المزمنة.
    في مقال آخر قد يكون من المناسب، التطرق إلي الإستغلال الطائفي للبسطاء في مختلف بقاع البلاد. الختمية في الشرق، والشمال والأنصار في الغرب… وأثر ذلك علي سيطرة االحزبين الكبيرين علي نظام الحكم بعد الاستقلال وفشلهما في ارساء برنامج للبناء الوطني بعد رحيل المستعمر. ثم جاءت طامة الحكم العسكري التي عمقت الفشل. . كذلك من المهم التطرق الي عدم التوافق علي دستور يحترم التنوع بكافة أشكاله وىحترم عدالة توزيع السلطة والثروة وأهمية لا مركزية الحكم والتنمية المتوازنة.
    يسلم يراعك أخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..