دارفور ثلاثية الوجع المقيم

إبراهيم بخيت
دعونى احكى لكم عن الجنجويد وعن القوات المسلحة المصلحة وعن مصلحة القوات الافريقية المدججة بالأموال والدولار والرغبات الحسية. وعن الماضى القريب وعن الغريب المجلوب غير المحبوب. وفي سيرة الذى كان في دار فور في أعوام تبرعم فيها الانفلات الأمنى تحت سقاية ورعاية وعناية حكومة البشير، والتوجه الحضارى العنصرى. في أواخر عام 2005 ونحن في ديار الغربة، حكى لى آخر عائد من الوطن ومن موطن الجراح النازفة في دارفور حكايات عن مخلوقات جديدة مستنسخة من أسوأ ما في البشر، مخلوطة بكيمياء أتعس الشياطين. حكايات لا يستطيع الإنسان السوي أن يصدقها، ولا تستطيع الأقلام أن تسطرها، ولا توجد في مفردات اللغة وعباراتها، بل وجملها ما يمكن أن يدقق وصفها أو يقترب منه. ولولا أنني أثق في خلقه ودينه وحسن منطلقاته، لما أرهقت نفسي ولا أمرضتها بسماع ما يروي ويحكي. الصورة العامة لما حكاه عن الأوضاع في دارفور لا تبشّر بالانفراج القريب ارتهاناً للمعطيات القائمة الآن علي ساحات العمل السياسي والعسكري. إحدى حكاياته عن أن قريباً له، وقع في كمين لعصابات النهب المسلحة مع رتل من السيارات. ولكنه استطاع أن يدهس بسيارته أحد هؤلاء النهابين، ويفر محتمياً بأقرب مركز للشرطة. فإذا به يواجه بجريمة قتل أحد أفراد الشرطة، وبالفعل أثبتوا عليه ذلك من خلال البطاقة التي كان يحملها القتيل.
فهل كان القتيل فعلاً من أفراد الشرطة، أم انه انتحل هذه الصفة – وإن كان قد انتحلها فالمصيبة أكبر لأنها تدل علي انفلات قبضة السلطة علي رجالها حماة الأمن. وقريب من هذه الحكاية هي قصة الجنجويد الذين يرابطون حول المدن الكبيرة يحبسون موارد الحياة عن سكانها، ويشلون حركتهم ما لم يدفعوا. ولا تعترضهم القوات النظامية، ولا تهاجمهم قوات الحركات المتمردة. أما قوات الاتحاد الأفريقي فلها هموم أخري غير ذلك خاصة. وأن الكثير من الدولارات تجري بين يديها ولا تعرف قيمتها، وتستخدمها بكرم وتبذيرفي الإغراء والإغواء. صديقي لم يكمل أجازته بين أهله الذين نصحوه بالمغادرة الفورية قبل أن يعلم الآخرون بأن مغترباً قد حلّ بالديار، فهو صيد لكل صياد من القوات الموجودة هناك. يكفي فقط أن يكون مغترباً ليزداد وجعاً وغربة حتي في مراتع صباه. وهكذا عاد يائساً يري أن الحكومة غير جادة في تعاملها مع المشكلة ومع الجنجويد الذين تمدد نفوذهم وسطوتهم حتي جنوب دارفور. وأن الحركات المتمردة – جماعة العدل و المساواة ومناوى وغيرها -لا تريد مواجهتهم بدعوي عدم تحول حربهم الي حرب قبلية. وأن القوات المسلحة السودانية مكبّلة بالقيود السياسية والمصالح الأمنية. ترى هل لم تك الشواهد والوقائع كلها التي قادت الى ما نحن عليه الان جلية لكل وطنى مخلص؟ ام ان القابضون على رقاب الوطن والمواطن هم مخلوقات جديدة مستنسخة من أسوأ ما في البشر؟ ولكن رغم ذلك لكل حال زوال – ولا يأس مع الحياة.



