مقالات وآراء

مقاصد الوطن

التقي البشير الماحي

العلمانية في سياقها التاريخي نشأت كردِّ فعل لإيقاف تغوُّل الكنيسة في الحياة العامة وشؤون الحكم، وبما أن لكل فعل ردَّ فعل نجد أن هناك تباينًا واختلافًا من علمانية إلى أخرى وهو اختلاف مقدار بحسب ما كان سائدًا من تدخل باسم الكنيسة لذلك تختلف علمانية فرنسا عن علمانية بريطانيا وعنها في أمريكا.

شهد عام 1937 ميلاد أول دستور علماني في تركيا وأظن أنها أول دولة تفصل بين الدين الإسلامي والسياسة بعد إلغاء الخلافة الإسلامية من قبل كمال أتاتورك باني نهضة تركيا.

السودان بعد استقلاله شهد عددًا من التغيرات داخل قوانينه المتصلة بالدين وكان أكبرها في عام 1983 عندما أعلن الرئيس النميري تطبيق الشريعة الإسلامية أو ما اصطلح على تسميته بقوانين سبتمبر ومنها اندلع التمرد من جديد بعد نقضه للاتفاقية التي كانت قائمة في جنوب السودان وقد عجَّل ذلك بذهابه في انتفاضة أبريل 1985.

في العام 2005 وبعد حرب طويلة ومدمرة في السودان وقد اتخذت طابعًا دينيًا بمجيء الإنقاذ تم إبرام اتفاقية سلام تمخض عنها دستور 2005 الذي شهد جدلًا كثيفًا وقد حسبه بعض الإسلاميين الأصوليين دستورًا علمانيًا في بعض جوانبه خصوصًا تلك المتعلقة بالمواطنة أساسًا للحقوق والواجبات مما يفتح الباب لأن يصبح غير المسلم رئيسًا للبلاد.

بصورة عامة يمكن الفهم أنه لا توجد قوالب جامدة للعلمانية كمنهج للحكم حتى داخل الدولة الواحدة فبعض الدول تختلف فيها القوانين من ولاية إلى أخرى والعلمانية لم تكن يومًا خصمًا للدين الإسلامي في السودان كممارسة حتى في فترة الاستعمار بل إن التجربة العملية أثبتت أنها الأفيد في السودان فالدين في غاياته ومقاصده معني بتكريم الإنسان فمن خلال التجربة نرى أنه لم ينصلح حال الدين ولا حال الناس والجماعة تتربع على حكم البلاد ثلاثين عامًا وهو زمن لم يتوفر حتى للدعوة في بدايتها.

يبرر البعض أن الإنقاذ لا تمثل الإسلام وإنما هي تجربة وهم في الوقت نفسه لا يرون في الواقع أي تجربة يمكن أن نطلق عليها تجربة إسلامية وكأن هناك نموذجًا متصورًا لم تتح له الفرصة منذ حكم النبي الكريم وبعض صحابته رغم أنهم لم يكونوا سواءً في الوصية بمن يخلفهم بعد مماتهم وهو ذروة سنام الأمر إذ لو أراد النبي تبيان شكل معين للحكم فإن الله ليزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.

من يدَّعون التحدث باسم الإسلام ويحاربون العلمانية لا مانع لهم من الحكم بها إن أوصلتهم إلى السلطة فهم الآن يؤيدون أردوغان في تركيا بخلفيته الإسلامية.

يظن البعض أن العلمانية رديف للديمقراطية وهذا خطأ كبير فبعض الأنظمة المستبدة حكمت بالعلمانية ولم تكن ديمقراطية كما أن هناك تعارضًا بين الديمقراطية كمنهج للحكم والدولة الدينية فبعض الأصوليين يرون في الديمقراطية كفرًا بواحًا وهي اليوم أصبحت أصواتًا خجولة.

الدكتور علي الحاج في لقاء شهير على قناة أم درمان مع الإعلامي بكري المدني قال إن العلمانية رحمة فهي قد آوته عندما حرمه الغير وهو في ذلك كان شجاعًا بعكس غيره ممن غرفوا من نعيمها بكيزانهم تعليمًا وعلاجًا وحتى مالًا.

أيضًا هناك مبالغة من بعض من يرون أن العلمانية هي الوصفة السحرية للنهضة والتقدم وهم في ذلك واهمون فالديمقراطية والحكم الرشيد خلاصة التجارب في التطور والنماء وهي الفسيلة التي تثمر بفعل التجارب الإنسانية في كل البيئات والإسلام دين دعوة بالتي هي أحسن ولم يستعبد الناس وقد خلقهم الله أحرارًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..