مقالات وآراء

محمد وردي.. (١ – ٢)

حين تغني النوبة بصوت إفريقيا

ليست كل الأمم محظوظة بأن يخرج منها فنان يتحول إلى وطن. وليست كل القارات محظوظة بأن يخرج منها صوت يصبح جزءاً من ذاكرتها الجمعية. ولكن السودان كان من المحظوظين حين أنجب محمد عثمان وردي، وكانت إفريقيا من المحظوظين حين وجدت في هذا النوبي الشامخ لساناً يغني باسمها ووجداناً يعبر عنها.
لقد شاهدت الفيلم الوثائقي “محمد وردي.. زول هومبيا”، فخرجت منه وأنا لا أشعر أنني تابعت سيرة فنان، بل كأنني كنت أتأمل سيرة نهر. والنيل لا يُقاس بالماء الذي يجري فيه، وإنما بما يهب للحياة من خصب ومعنى واستمرار. وكذلك كان وردي؛ لم يكن مجرد حنجرة ذهبية، بل كان نهراً من الجمال والمعرفة والتمرد والإبداع.
محمد وردي ليس اسماً في سجل الفنانين، وإنما فصل كامل في تاريخ السودان الحديث. إنه ظاهرة لا يمكن اختزالها في الأغنية، لأن الأغنية عنده كانت أكبر من نفسها. كانت رؤية. وكانت موقفاً. وكانت مشروعاً جمالياً لتحرير الروح السودانية من القبح والركود والخوف.
كان يغني، فتنهض الجبال.
وكان يصدح، فتتسع الخرائط.
وكان يطلق صوته، فتشعر أن السودان كله قد تحول إلى آلة موسيقية عملاقة تعزف مع هذا الرجل القادم من أعماق النوبة.
ولعل أكثر ما أثار انتباهي في الفيلم ظهور صورة الأستاذ الشهيد محمود محمد طه خلف محمد وردي في أحد المشاهد. لم تكن تلك الصورة بالنسبة لي تفصيلاً عابراً. كانت مفتاحاً لفهم شيء عظيم في شخصية وردي.
فالعظماء ينجذبون إلى العظمة.
والأرواح الكبيرة تعرف بعضها بعضاً.
ومحمود محمد طه لم يكن مجرد مفكر سوداني، بل كان مشروعاً لتجديد الإنسان نفسه، مشروعاً لتحرير العقل من أغلال التقليد، والروح من أسر الخوف، والحياة من جمود الماضي. وكان وردي، بطريقته الفنية الخاصة، يسير في الاتجاه نفسه.
كلاهما كان ثائراً على السائد.
وكلاهما كان منحازاً للمستقبل.
وكلاهما كان يؤمن أن الإنسان أكبر من قيوده، وأوسع من حدوده، وأغنى من الصور الجاهزة التي يريد المجتمع أن يحبسه فيها.
لهذا لم أستغرب أن أرى صورة المفكر الأستاذ محمود “تلهم” الفنان الأستاذ محمد وردي. فكأن الفكر العظيم كان يسند الفن العظيم. وكأن الفن العظيم كان يترجم الفكر العظيم إلى أنغام. وكأنهما، كل في مجاله، كانا يفتحان نافذة في جدار الزمن السوداني ليدخل منها هواء الحرية.
لقد أدرك وردي، بفطرته الإبداعية النادرة، أن الفن الحقيقي ليس زينة للحياة، وإنما هو صناعة للحياة نفسها. ولذلك لم يكن مغنياً للآذان فقط، بل كان مغنياً للضمائر.
وحين نستمع إلى وردي لا نستمع إلى فرد، بل نستمع إلى حضارة. نستمع إلى النوبة وهي تنهض من آلاف السنين لتتحدث بلغة الموسيقى. ونستمع إلى إفريقيا وهي تستعيد ثقتها بنفسها بعد قرون من الاستعمار والاستعلاء. ونستمع إلى السودان وهو يحاول أن يرى صورته الأجمل في مرآة الفن.
ومن هنا فإن الحديث عن وردي بوصفه فنان السودان الكبير لا يكفي. بل أرى أنه أحد أعظم الفنانين الذين أنجبتهم إفريقيا الحديثة.
لقد امتلك ما لا يجتمع إلا نادراً: الأصالة والتجديد، المحلية والعالمية، العمق والبساطة، الثورة والجمال. كان ابن قرية صغيرة، لكنه غنى بقامة قارة. وكان ابن شعب، لكنه خاطب الإنسانية كلها. وكان ابن زمانه، لكنه تجاوز زمانه.
ولهذا سيظل وردي أكبر من كل الجوائز، وأكبر من كل الألقاب، وأكبر من كل محاولات التصنيف.
إنه هرم قائم في أرض الفن. بل هو أحد أهرامات الروح السودانية نفسها.
وإذا كانت مصر تفاخر الدنيا بأهرامات الحجر، فإن السودان يستطيع أن يفخر بأهرامات الانسانية. وفي مقدمة هؤلاء يقف محمد عثمان وردي، شامخاً كشجرة أبنوس ضاربة الجذور في تربة النوبة، باسقاً كنخيل الشمال على ضفاف النيل، ومتألقاً كنجم إفريقي لا يخبو ضوؤه مهما تعاقبت الأجيال.
وليس غريباً أن يخرج هذا العملاق من تلك الأرض العتيقة التي حفظت للإنسانية بعضاً من أقدم أسرارها. فمن النوبة، حيث تتعانق الحضارة مع النهر، وحيث يتجاور التاريخ مع الأسطورة، خرج هذا الصوت الذي استطاع أن يجعل من الأغنية السودانية حدثاً إنسانياً لا مجرد عمل فني.
لقد رحل الجسد، لكن وردي لم يرحل. فالذين يعيشون في الذاكرة يموتون مرة واحدة. أما الذين يعيشون في الوجدان فيولدون كل يوم. ومحمد وردي من هذا الصنف النادر. سيظل يغني ما دام في السودان عاشق للحرية. وسيظل حاضراً ما دام في إفريقيا قلب يخفق للجمال. وسيظل شامخاً ما دام النيل يجري بين ضفتيه.
سلام على محمد عثمان وردي، فنان إفريقيا الأول. وسلام على النوبة التي أنجبته. وسلام على السودان الذي أهداه للعالم. وسلام على كل روح عظيمة أدركت أن الإبداع ليس مهنة، وإنما طريق إلى الخلود.

تعليق واحد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..