حين يصبح الكاتب أسيرًا لمحكمة التاريخ: هل يُقرأ الطيب صالح بنصوصه أم بصمته؟ ( 1 / 2 )

هل يجب أن نهدم الطيب صالح لكي ننصف الآخرين؟.
ليست المشكلة في أن نعيد قراءة الرموز الثقافية، فالثقافة الحية لا تعرف الأصنام والتقديس، ولا يوجد كاتب أو مفكر فوق النقد والمراجعة.
بل إن قيمة أي منجز فكري تقاس بقدرته على تحمل الأسئلة الجديدة ومواجهة القراءات المختلفة.
غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول النقد من مساءلة النصوص إلى محاكمة مكانها، وبل تشكيك في معني النص، ومن تفكيك الأفكار إلى التشكيك في أسباب الاعتراف بها.
وهنا تحديدًا تكمن المعضلة المنهجية في بعض القراءات المعاصرة للثقافة السودانية، ومنها القراءة التي قدمها د. الوليد مادبو وهو يتناول مكانة الطيب صالح وعددًا من الرموز الأدبية السودانية المنشورة تحت عنوان (حين خان السردُ التاريخ: الطيب صالح ومحمود محمد طه).
فالقارئ يكتشف سريعًا أن القضية لم تعد متعلقة بتحليل أعمال الطيب صالح نفسها، أو فحص بنيتها الفنية، أو مناقشة حدود نجاحها وإخفاقها، وإنما أصبحت مرتبطة بتفسير الشهرة التي نالها الكاتب، وكأن الاعتراف الأدبي نفسه صار موضع اتهام.
وهنا ننتقل من النقد الأدبي إلى ما يشبه التحقيق السياسي في ظروف صعود النصوص وانتشارها.
صحيح أن المؤسسات الثقافية تلعب دورًا في صناعة الرموز، وصحيح أن السلطة والمركز والذائقة السائدة تؤثر جميعها في عملية الاعتراف الأدبي، لكن هذا لا يكفي لإبطال القيمة الفنية لأي منجز إبداعي.
فالتاريخ الأدبي الإنساني كله يخبرنا أن بعض الأعمال عاشت لأنها استندت إلى مؤسسات قوية، بينما اختفت أعمال أخرى رغم الدعم ذاته، كما أن كثيرًا من النصوص التي خرجت من الهوامش استطاعت أن تفرض نفسها لأنها امتلكت قوة البقاء لا لأن أحدًا منحها الإذن بذلك.
ولذلك فإن الخلط بين نقد المؤسسة ونقد المنجز يمثل أول إشكال منهجي في هذا الطرح.
فإذا كانت النخب الثقافية قد بالغت في الاحتفاء بالطيب صالح، فهل يعني ذلك أن القيمة الأدبية لأعماله أصبحت موضع شك؟
وإذا كانت المؤسسة الثقافية السودانية والعربية والعالمية قد ساهمت في تكريس اسمه، فهل يصبح الإنجاز الروائي نفسه مجرد نتيجة للدعاية؟
إن مثل هذا الاستنتاج يشبه القول إن الاعتراف العالمي بأي كاتب هو دليل على تواطؤ المؤسسات لا على قوة النص.
وهو منطق لو أخذناه إلى نهايته لأصبحنا مضطرين إلى إعادة محاكمة معظم الأسماء الكبرى في تاريخ الأدب العالمي.
والأخطر من ذلك أن هذا المنهج يقع في تناقض خفي مع الهدف الذي يرفعه أصحابه.
فحين ينتقد المركز الثقافي لأنه احتكر تعريف السودان وتمثيله، فإن المطلوب اولا منطقيًا هو توسيع المشهد الثقافي وإدخال الأصوات التي تم تهميشها إلى دائرة الضوء.
أما أن يتحول المشروع إلى تقليص قيمة الأسماء الراسخة من أجل رفع أسماء أخرى، فإننا نكون قد استبدلنا مركزية بأخرى، لا أكثر.
فالثقافة ليست معركة لا ينجو فيها إلا اسم واحد، وليست ساحة إعدام رمزية تُقام كلما أردنا إنصاف شخصية أخرى.
إن إنصاف إبراهيم إسحاق لا يحتاج إلى هدم الطيب صالح، كما أن الاعتراف بأصوات الهامش لا يقتضي نفي القيمة عن أصوات أخرى أسهمت بدورها في تشكيل الوعي السوداني.
ولعل أكثر ما يلفت الانتباه هو الأحكام المطلقة التي تُطلق أحيانًا دون تقديم معيار نقدي واضح.
فعندما يقال إن فقرة واحدة من إبراهيم إسحاق أكثر كثافة وصدقًا من عشرات الصفحات التي كتبها الطيب صالح، فإننا لا نكون أمام حجة نقدية بقدر ما نكون أمام انطباع شخصي.
ذلك أن النقد الأدبي لا يقوم على التفضيلات الذاتية مهما بلغت مشروعيتها، بل على معايير قابلة للنقاش والاختبار.
ما المقصود بالكثافة؟
وما المقصود بالصدق؟
وهل نتحدث عن اللغة أم البناء السردي أم التمثيل الاجتماعي أم الأثر الجمالي؟
إن غياب هذه المعايير يجعل الحكم أقرب إلى إعلان موقف منه إلى تقديم قراءة نقدية صحيحة.
لقد رأى الفيلسوف بول ريكور أن مهمة التأويل ليست تحطيم النصوص بل الكشف عن العوالم التي تفتحها أمامنا.
ومن هذا المنظور فإن السؤال الحقيقي لا ينبغي أن يكون: لماذا اشتهر الطيب صالح؟
بل ماذا أضاف إلى الأدب العربي الأفريقي والسوداني والعالمي؟
وما الذي جعل أعماله تعبر حدود الجغرافيا واللغة لتدخل إلى فضاءات إنسانية أوسع؟
فبقاء النصوص في الذاكرة لا تضمنه الدعاية وحدها، بل تضمنه قدرتها على مخاطبة أسئلة الإنسان في كل زمان ومكان.
غير أن السؤال المهم الذي يبدو غائبًا عن هذا النوع من السجالات هو: ما المقصود أصلًا بالمركز؟
هل هو مفهوم جغرافي أم ثقافي أم سياسي؟
لأن الإجابة عن هذا السؤال كفيلة بإرباك كثير من الأحكام الجاهزة.
فإذا كان الطيب صالح يُقدَّم بوصفه ابن «المركز النيلي»، فإن السودان نفسه، في نظر أوروبا الاستعمارية التي كتب عنها الطيب صالح وكتب من داخلها، لم يكن سوى هامش بعيد على أطراف الإمبراطورية.
فحين وصل الطيب صالح إلى لندن لم يكن قادمًا من مركز إلى مركز، بل من هامش عالمي إلى مركز عالمي.
ومن هذه الزاوية يصبح الرجل أقرب إلى تجربة المثقف القادم من الأطراف الذي يحاور المركز الإمبراطوري بلغته ويكشف تناقضاته من داخله.
وهنا تأتي عبقرية الطيب صالح الانطلاق من مركز المركز الثقافي.
لقد نبه إدوارد سعيد إلى أن المركز والهامش ليسا حقائق ثابتة، بل علاقات قوة تتغير بتغير زاوية النظر.
فما يبدو مركزًا من الخرطوم قد يبدو هامشًا من لندن، وما يبدو هامشًا داخل السودان قد يتحول إلى مركز داخل فضائه المحلي.
ولهذا فإن اختزال الطيب صالح في موقع جغرافي محدد يتجاهل طبيعة تجربته الفكرية والأدبية التي تشكلت أصلًا من الاشتباك مع سؤال الهيمنة الكولونيالية وعلاقة الأطراف بالمراكز الكبرى.
إن صاحب «موسم الهجرة إلى الشمال» لم يكن يكتب من موقع المنتصر الواثق، بل من موقع ذلك القادم من تخوم العالم الذي وجد نفسه وجهًا لوجه أمام القوة الإمبراطورية في عقر دارها.
من هنا تبدو قيمة الطيب صالح أبعد من الجدل حول المركز والهامش.
فهو ليس فوق النقد، وليس بحاجة إلى حصانة أدبية، لكنه أيضًا أكبر من أن يُختزل في كونه ممثلًا لطبقة معينة أو جهة أو جغرافيا بعينها.
لقد أصبح جزءًا من الذاكرة الثقافية العربية والأفريقية والعالمية لأن نصوصه طرحت أسئلة تتجاوز حدود المكان الذي خرجت منه.
أما الاختلاف حوله فسيظل مشروعًا ومطلوبًا، لكن تحويل نجاحه الأدبي إلى تهمة، أو اختزال منجزه في موقعه داخل معادلات السلطة المحلية، فذلك لا يفتح أفقًا جديدًا للنقاش بقدر ما يستبدل تبسيطًا بتبسيط آخر.
ولعل المفارقة الكبرى أن الخطاب الذي يبدأ بالدعوة إلى توسيع الهامش قد ينتهي، من حيث لا يدري، إلى بناء مركز جديد أكثر صرامة من المركز الذي ينتقده.
وعندها لا تصبح المشكلة في الطيب صالح ولا في إبراهيم إسحاق، بل في عقل ثقافي لا يزال يبحث عن بطل واحد وحقيقة واحدة وصوت واحد، بينما السودان، بتاريخه وتعقيداته وتنوعه، أكبر من أن يُختزل في هذه الثنائية الضيقة.
فالأمم الحية لا تُبنى بإسقاط رموزها كلما اختلفنا حولها، ولا بتوزيع شهادات الشرعية الثقافية على أساس الجغرافيا أو الانتماء او الاثنية وإنما بقدرتها على استيعاب تعدد الأصوات والرؤى والتجارب داخل فضاء وطني واحد.
ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: من يستحق أن يبقى في الذاكرة ومن يجب إبعاده عنها؟
بل كيف نجعل ذاكرتنا الوطنية أكثر اتساعًا وعدالةً وقدرةً على احتضان الجميع.
فالثقافة، في نهاية المطاف، ليست ساحة لتصفية الحسابات الرمزية، وإنما حوار طويل بين أصوات مختلفة، لا يكتمل إلا حين يجد كل صوت مكانه المستحق دون أن يكون وجوده مشروطًا بإلغاء الآخر.
( نواصل ).
Abdelaziz Abuaglah
[email protected]
لندن يونيو 2026



