في ذكرى مجزرة القيادة أصدقاء الفَضّ يتناحرون اليوم على أنقاض الوطن، لكن دم الشهداء لا يُغسل بالاقتتال… ولا يسقط بالتقادم. وسلاما على ارواحهم في الخالدين

تمرّ على السودان ذكرى مجزرة القيادة العامة لتنكأ جرحاً ما زال ينزف في جسد وطنٍ أثقلته المآسي، وتختزل في تفاصيلها المؤلمة فصول حكاية طويلة من الخيبات والدمار، بدأت منذ أن نال السودان استقلاله ولم يهنأ به.
ففي الوقت الذي استبشر فيه السودانيون بفجر جديد يبنون فيه وطناً يتسع للتعدد والتنوع، وُلدت الدولة الوليدة وهي تحمل في أحشائها بذور أزماتها، حيث عجزت النخب السياسية عن صياغة مشروع وطني جامع، وسرعان ما انفتح الباب على مصراعيه ليدخل الحكم العسكري إلى المشهد، فارضاً سطوته كبديل قسري خنق التطور المدني وبدّد أحلام الاستقرار.
لقد كان الدور الحاسم للمؤسسة العسكرية، عبر انقلاباتها المتتالية، بمثابة المطرقة التي حطمت طموحات التنمية وحوّلت السودان من أرض الفرص الواعدة والخيرات الوفيرة إلى ساحة حرب ممتدة لا تنتهي.
وبدلاً من أن توجّه موارد البلاد الهائلة نحو بناء البنى التحتية، والنهوض بالتعليم والصحة، واستثمار الأراضي الزراعية الخصبة، استُنزفت ثروات السودان في تمويل الآلة العسكرية وشراء الولاءات وتغذية النزاعات الداخلية.
هكذا تلاشت ميزانيات التنمية لصالح الحروب العبثية، وظل الاقتصاد السوداني يترنح تحت وطأة الديون والتضخم والانهيار، مما جعل البلاد عاجزة عن اللحاق بركب التطور والتقدم وبقيت أسيرة التخلف الاقتصادي والفقر المتوارث.
ولم يتوقف هذا المسار المأساوي عند حدود الفشل التنموي، بل تعداه إلى ارتكاب فظائع وانتهاكات صارخة لحقوق الإنسان صبغت تاريخ البلاد بالدماء.
فكلما واجه الحكم العسكري حركات التمرد أو الاحتجاجات الشعبية، كان خياره الأول والأخير هو الإفراط في استخدام القوة العسكرية، وتكريس سياسة الأرض المحروقة.
لقد تجسدت هذه العقلية الإقصائية والدموية في أبشع صورها في دارفور، وجنوب كردفان، والنيل الأزرق، وصولاً إلى حرب الجنوب التي انتهت بالانفصال، حيث تحولت المدن والقرى إلى ركام، وشهدت البلاد عمليات إبادة جماعية وتطهير عرقي، وتشريد الملايين من المواطنين الذين تحولوا إلى نازحين ولاجئين في وطنهم وخارجه، دون أي مراعاة للقوانين والمواثيق الإنسانية.
وفي قلب هذه السلسلة المتواصلة من القمع، تبرز مجزرة القيادة العامة كعلامة فارقة وجرح حي في الذاكرة الجمعية للسودانيين، إذ جسدت اللحظة التي التقت فيها تطلعات جيل كامل حلم بالحرية والسلام والعدالة، بنيران الغدر والبطش التي أطلقتها القوى العسكرية والأمنية لفض اعتصام سلمي وحضاري.
لم يكن ذلك الحدث مجرد فض لاعتصام، بل كان محاولة واضحة لاغتيال الأمل بدم بارد، وتكراراً لذات العقيدة العسكرية التي استمرأت الانتهاكات وعاشت على قمع إرادة الشعوب.
ومنذ ذلك اليوم، انزلق السودان مجدداً في دوامات أعمق من الفوضى والحروب الشاملة التي تكاد تأتي على ما تبقى من الدولة، لتظل مأساة السودان مستمرة، وتظل ذكرى المجزرة شاهداً حياً على ثمن الحرية الباهظ، وعلى ضرورة الخلاص من حلقة الحكم العسكري المفرغة لتبدأ مسيرة البناء الحقيقي والعدالة والمحاسبة.
حوار السودانيين أم حوار الداعمين؟
في الحروب الكبرى لا تدور المعارك فقط على الأرض، بل تدور أيضاً حول المعاني.
فمن يملك تعريف الأزمة يقترب من امتلاك حق صياغة الحل، ومن يحدد أطراف الحوار يقترب من تحديد شكل الدولة التي ستولد بعده.
ولهذا اعتبرنا بحسن الظن، أن دعوة الفريق عبد الفتاح البرهان إلى حوار سوداني شامل ليست مجرد تصريح سياسي عابر، بل محاولة لفتح باب جديد في لحظة يقترب فيها السودان من أسئلة ما بعد الحرب.
غير أن الدعوة جاءت متزامنة مع زيارة جديدة إلى أنقرة، ضمن سلسلة من اللقاءات المتكررة التي جعلت تركيا حاضرة في أكثر من محطة مفصلية منذ اندلاع الحرب.
وهنا برز سؤال أكبر من الزيارة نفسها: “إذا كان الحوار سودانياً، فمن الذي يرسم حدوده؟ السودانيون أم الداعمون؟”.
إذا فسد ميزان الإرادة في الأمة، أصبح غيرها يزن لها مصيرها. ❞
(1)
لم يعد السودانيون يتابعون أخبار الحرب وحدها، بل أصبحوا يتابعون أيضاً حركة الطائرات.
فكل رحلة إلى عاصمة إقليمية تحمل في طياتها أسئلة أكثر مما تحمل من الإجابات.
وليس لأن العلاقات الخارجية أمر استثنائي، بل لأن الحرب نفسها تحولت إلى ساحة تتقاطع فوقها مصالح إقليمية ودولية جعلت من الصعب الفصل بين القرار الوطني وحسابات الخارج.
ولهذا فإن تكرار زيارة أنقرة لا يُقرأ بوصفه حدثاً بروتوكولياً، وإنما باعتباره مؤشراً على أن ثمة دوراً يتجاوز المجاملات الدبلوماسية إلى المشاركة في تشكيل ملامح المرحلة القادمة.
(2)
حين دعا البرهان إلى حوار سوداني جامع، بدا وكأنه يعيد الكرة إلى ملعب الداخل بعد شهور طويلة من الرهانات العسكرية.
لكن المفارقة أن الدعوة نفسها أعادت إلى السطح سؤالًا قديماً: من الذي سيقرر من هو السوداني الذي يحق له الجلوس إلى الطاولة؟
فالحوار ليس مجرد دعوة مفتوحة، بل عملية سياسية تتضمن تعريف المشاركين وحدود التمثيل وشروط الشرعية.
وهنا تبدأ الخلافات الحقيقية، لا عند شكل الحوار بل عند هوية المتحاورين.
(3)
هناك قوى سياسية عريضة ترى أن أي عملية سياسية جديدة يجب أن تقطع مع إرث النظام السابق، وأن بعض القوى المرتبطة به لا ينبغي أن تعود إلى مركز المشهد.
وفي المقابل، هناك من يرى أن استبعاد أي تيار ذي وزن اجتماعي أو سياسي لن يؤدي إلا إلى إنتاج أزمة جديدة داخل الأزمة القائمة.
وبين هذين التصورين يقف السودان أمام معضلة لم تُحسم بعد: هل يبنى السلام على الإقصاء أم على الاستيعاب؟
وهل يمكن الحديث عن حوار شامل إذا كانت هناك أطراف مؤثرة خارجه؟
أم أن الشمول يفقد معناه حين يفرض إشراك قوى يرفضها فاعلون سياسيون مؤثرون أيضًا؟
(4)
هنا تكتسب أنقرة أهميتها السياسية.
ليس لأن أحداً يستطيع الجزم بما يقال خلف الأبواب المغلقة، بل لأن تركيا تبدو من الدول التي تنظر إلى الاستقرار السياسي من زاوية مختلفة عن كثير من اللاعبين الآخرين.
فبالنسبة لبعض العواصم، قد يكون المطلوب هو إعادة هندسة المشهد السوداني عبر استبعاد أطراف معينة.
أما بالنسبة لعواصم أخرى، فقد تكون الأولوية هي بناء تسوية واسعة تستوعب أكبر عدد ممكن من القوى مهما كانت الخلافات حولها.
والفارق بين الرؤيتين ليس تفصيلاً سياسياً، بل خلاف حول طبيعة السودان الذي يراد له أن يخرج من الحرب.
(5)
لكن المشكلة لا تكمن في موقف هذه العاصمة أو تلك.
المشكلة أن السودانيين أنفسهم لم يحسموا بعد إجابتهم على السؤال الجوهري:
“من يملك حق منح الشرعية ومن يملك حق سحبها؟”.
فإذا تُرك هذا السؤال للداعمين، أصبح الحوار حوارهم هم.
وإذا احتكرته القوى المسلحة، أصبح الحوار انعكاساً لموازين القوة.
وإذا استأثرت به النخب السياسية، تحول إلى صراع نخبوي جديد.
أما إذا لم يجد السودانيون طريقة وطنية للإجابة عنه، فسيجد آخرون الإجابة بالنيابة عنهم.
(6)
وسط كل هذه الحسابات، يظل المواطن السوداني هو الغائب الأكبر عن المشهد.
فالنازح الذي فقد منزله، والأم التي فقدت أبناءها، والشاب الذي فقد مستقبله، لا تعنيه كثيراًٍ خرائط التحالفات بقدر ما يعنيه أن يعرف من يتحدث باسمه ومن يقرر مصيره.
ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي عملية سياسية قادمة ليس الخلافات بين القوى المختلفة، بل فقدان ثقة الناس في أن الحوار يمثلهم أصلًا.
فحين يشعر الشعب أن القرارات تُصنع بعيداً عنه، يتحول السلام نفسه إلى اتفاق بين النخب لا إلى عقد وطني جديد.
(7)
إن السؤال الذي تطرحه أنقرة اليوم ليس سؤال تركيا وحدها، كما أن السؤال الذي يطرحه البرهان ليس سؤال الجيش وحده.
إنه سؤال السودان كله:
“هل يجري الإعداد لحوار يصنعه السودانيون لأنفسهم، أم لتسوية يصوغها الآخرون ثم يُطلب من السودانيين التوقيع عليها؟”.
فالتاريخ يعلمنا أن الخارج يستطيع أن يدعم السلام، لكنه لا يستطيع أن يصنع وطناً.
ويستطيع أن يقرب بين المتخاصمين، لكنه لا يستطيع أن يمنحهم شعور الانتماء إلى مصير واحد.
ذلك عمل لا يقوم به إلا أهل البلد أنفسهم.
قد يختلف السودانيون حول البرهان، وحول خصومه، وحول الإسلاميين، وحول المدنيين، وحول شكل الدولة المقبلة.
وقد تختلف العواصم الداعمة نفسها حول من ينبغي أن يشارك ومن ينبغي أن يُستبعد.
لكن ثمة حقيقة واحدة لا تقبل المساومة تقول:
“إن الحوار الذي يحدد الآخرون أطرافه، ويرسمون سقوفه، ويمنحون شرعيته، ليس حواراً وطنياً كامل السيادة مهما حمل من أسماء براقة”.
فالسودان لا يحتاج فقط إلى وقف الحرب، بل إلى استعادة حقه في أن يقرر بنفسه من يتحدث باسمه ومن يختلف معه ومن يجلس إلى طاولته.
وإلى أن يحدث ذلك، سيظل السؤال قائماً فوق كل زيارة وكل مبادرة وكل دعوة للحوار:
هل يتفاوض السودانيون على مستقبل وطنهم.. أم يتفاوض الآخرون على مستقبل السودان؟..
إنا لله ياخ..
الله غالب.



