بلاد تمشي على حافة القطيعة

م. معاوية ماجد
ثمة بلدان تنهار فجأة، كجدار أكلته الشقوق من الداخل حتى سقط دفعة واحدة، وثمة بلدان أخرى لا تسقط مرة واحدة، وإنما تمشي ببطء فوق حافة خطرة، تتأرجح بين النجاة والانهيار، بين الأمل واليأس، بين إمكانية بناء وطن يتسع للجميع، واحتمال السقوط الكامل في هاوية القطيعة.
والسودان، للأسف، يبدو اليوم كبلاد تمشي على تلك الحافة.
ليس لأن الحرب وحدها أكلت من جسده ما أكلت، ولا لأن السياسة تحولت إلى ميدان مفتوح للصراع فحسب، بل لأن شيئًا أعمق أخذ يتآكل بصمت: القدرة على البقاء معًا رغم الاختلاف. تلك المهارة الإنسانية والسياسية الدقيقة التي تجعل المجتمعات قادرة على إدارة تناقضاتها دون أن تتحول إلى خراب شامل.
فالبلدان لا تنهار فقط عندما تتوقف مؤسساتها عن العمل، أو عندما تتعطل الجيوش والاقتصاد، وإنما تنهار أيضًا عندما يفقد الناس الإيمان بإمكانية العيش المشترك، وحين يصبح الآخر خصمًا وجوديًا لا شريكًا في وطن مضطرب. عندها لا تعود الأزمة سياسية فقط، بل تتحول إلى أزمة معنى، وأزمة ثقة، وأزمة مستقبل.
وهنا تحديدًا تكمن خطورة اللحظة السودانية.
فنحن لا نعيش فقط حربًا مسلحة مدمرة، بل نعيش، في الوقت نفسه، ما يمكن وصفه بتآكل الخيط الاجتماعي الذي ظل، رغم كل العثرات، يمسك البلاد من السقوط الكامل. ذلك الخيط الهش الذي كان يجعل الناس، رغم الخصومات السياسية والجهوية والإثنية، يعودون دائمًا إلى حد أدنى من الإحساس بأنهم ينتمون إلى مصير واحد.
لكن ماذا يحدث حين يبدأ هذا الخيط نفسه في الاهتراء؟
حين تحدث الصحابي الجليل معاوية بن أبي سفيان عن “الشعرة” الشهيرة، لم يكن يتحدث فقط عن دهاء سياسي أو براعة شخصية، كما يحلو للبعض أن يختزل الأمر، بل كان يصف فلسفة كاملة في إدارة العلاقات البشرية والسياسية؛ فلسفة تقول إن الحكمة لا تكمن في غياب الخلاف، وإنما في منع انقطاع الخيط الأخير الذي يبقي باب العودة مفتوحًا.
“لو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت؛ إن شدوها أرخيتها، وإن أرخوها شددتها”.
ليس مهمًا هنا مقدار الدقة التاريخية للنص، بقدر أهمية المعنى الذي يحمله: كيف يمكن للإنسان، وللسياسي على وجه الخصوص، أن يوازن بين الصلابة والمرونة، بين المبدأ والواقعية، بين الكرامة الشخصية ومسؤولية حماية الجماعة.
والسؤال المؤلم: هل امتلكنا نحن يومًا هذا الحس؟
يبدو أحيانًا أننا، كسودانيين، لم ننجح بعد في تحويل الاختلاف إلى مساحة تفاوض، بل كثيرًا ما نحوله إلى معركة كسر عظم. نختلف فنخاصم، نخاصم فنقاطع، نقاطع فنحرق الجسور، ثم نندهش بعد ذلك كيف انتهى بنا الحال إلى وطن متشظٍ، ومؤسسات ضعيفة، ونخب تبدو، في كثير من الأحيان، عاجزة عن إنتاج الحد الأدنى من التوافق.
لكن الإنصاف يقتضي ألا نقع في فخ التعميم السهل أو جلد الذات المجاني. فالشخصيات الوطنية لا تتشكل في الفراغ، والمجتمعات لا تولد بعطبها أو فضائلها جاهزة. نحن أيضًا أبناء تاريخ طويل ومعقد، ترك بصماته الثقيلة على وعينا الجماعي، وعلى الطريقة التي نفهم بها السلطة، والاختلاف، والخوف، والانتماء.
لقد خرج السودان إلى الاستقلال دون أن تسبقه عملية ناضجة لبناء فكرة الأمة. ورثنا حدود دولة، لكننا لم نرث، بالقدر نفسه، شعورًا راسخًا بالدولة. وظلت الانقسامات القديمة — القبلية، والجهوية، والثقافية — كامنة تحت السطح، تظهر كلما ضعفت السلطة المركزية أو تعثرت السياسة.
ثم جاءت الانقلابات العسكرية المتكررة لتعمق الأزمة. فحين تصبح القوة الوسيلة الأكثر شيوعًا لتغيير الحكم، يتعلم المجتمع، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أن الغلبة أحيانًا أهم من التوافق، وأن الحسم أسرع من الحوار، وأن الخصم ليس شريكًا مختلفًا، بل عقبة ينبغي تجاوزها.
ومع الزمن، لم تعد هذه الثقافة حبيسة المجال السياسي وحده، بل تسربت إلى حياتنا اليومية: إلى الأسرة، والمدرسة، والجامعة، ومكان العمل، وحتى صداقاتنا الصغيرة. صار الاعتذار صعبًا، والتراجع مؤلمًا، والاعتراف بالخطأ يبدو، أحيانًا، وكأنه هزيمة شخصية.
وفي كثير من الأحيان، تبدو شخصيتنا العامة مأزومة بعطب خفي: نزعة نرجسية تجعل التراجع هزيمة، والاعتراف بالآخر ضعفًا، والتسوية نوعًا من الانكسار. كأننا لم نتعلم بعد أن بناء الأوطان لا يتم بالمنتصرين وحدهم، بل بالذين يعرفون كيف يختلفون دون أن يقطعوا الطريق إلى اللقاء.
غير أن المشكلة، مرة أخرى، ليست في “السوداني” بوصفه كائنًا معطوبًا بطبيعته، فهذا تبسيط ظالم. المشكلة تكمن في بيئة تاريخية وسياسية طويلة أعادت إنتاج أنماط معينة من السلوك. فالمجتمع الذي يعيش عقودًا من الاضطراب، والفقر، وانعدام اليقين، يصبح أكثر ميلًا إلى التوجس، وأكثر هشاشة في إدارة الخلاف، وأكثر استعدادًا لتحويل السياسة إلى معركة بقاء.
بل إن الاقتصاد نفسه، حين ينهار، لا يدمر الأسواق وحدها، وإنما يعيد تشكيل النفوس. فالإنسان الذي يعيش تحت ضغط الخوف من الغد، أو فقدان العمل، أو النزوح، أو انعدام الأمان، يصبح أقل صبرًا على التعقيد، وأكثر ميلًا إلى الحلول الحادة، وأكثر استعدادًا لرؤية المختلف بوصفه تهديدًا لا شريكًا.
ولهذا، فإن المجتمعات الخارجة من الحروب لا تعيد بناء الجسور والطرقات فقط، بل تعيد بناء الثقة بين البشر. لأن الخراب الحقيقي لا يكون دائمًا في المباني المهدمة، وإنما أحيانًا في النفوس التي أرهقها الخوف، حتى أصبحت عاجزة عن تصديق فكرة الوطن نفسها.
وهنا تصبح السياسة مرآة للمجتمع، لا استثناء منه.
فنحن كثيرًا ما نحب أن نحمل السياسيين وحدهم مسؤولية الخراب، مع أن السياسة، في نهاية الأمر، ليست كائنًا هبط علينا من السماء، وإنما امتداد حي لما يجري داخل المجتمع نفسه. وحين تتكرر في حياتنا اليومية نزعات العناد، والرغبة في الانتصار الرمزي، والتشبث بالرأي حتى لو انهار كل شيء من حولنا، يصبح من الطبيعي أن تنتج السياسة نسختها الأكثر خشونة من هذه الصفات.
لكن ذلك لا يعفي النخب من مسؤوليتها التاريخية.
فجزء غير قليل من مأزق السودان يعود إلى عجز النخب السياسية والفكرية عن إدارة اختلافاتها بطريقة ناضجة. كثيرًا ما جرى التعامل مع الخلاف بوصفه معركة صفرية: إما انتصار كامل أو هزيمة كاملة، إما استحواذ أو إقصاء، إما غلبة أو قطيعة.
وفي كل مرة، كانت البلاد تدفع الثمن.
فالنخب التي كان يفترض أن تقدم المثال في التسامح السياسي، كثيرًا ما أورثت المجتمع انقسامات أعمق، وخطابات أكثر حدة، وشعورًا متزايدًا بأن السياسة ليست فن إدارة الممكن، بل ساحة لتصفية الحسابات التاريخية.
وهكذا دخلنا، مرة بعد أخرى، في الحلقة ذاتها: أزمة تنتج شخصيات مأزومة، وشخصيات مأزومة تعيد إنتاج الأزمة.
لكن ربما يكون السؤال الأهم: لماذا نعجز عن إنتاج رجال دولة؟
ولكي نكون أكثر دقة، فالمقصود برجال الدولة ليس أولئك الذين يجلسون على المقاعد العليا فحسب، وإنما الشخصيات التي تمتلك خيالًا وطنيًا أكبر من رغباتها الشخصية، وشجاعة أخلاقية تجعلها ترى المستقبل لا الغنيمة الآنية، وتفهم أن إدارة الأوطان تختلف عن إدارة المعارك.
والجواب يبدأ من مكان لا نحب النظر إليه كثيرًا: التربية.
فنظامنا التعليمي، لعقود طويلة، كان معنيًا بتخريج حافظين أكثر من صناع تفكير. طلاب يعرفون الإجابة النموذجية، لكنهم لا يتعلمون كيف يناقشون المختلف، أو يديرون النزاع، أو يوازنون بين الحقائق المتعارضة. تعلمنا كيف ننجح في الامتحان، لكننا لم نتعلم كيف ننجح في إدارة وطن.
في مدارسنا، نادرًا ما نتعلم فضيلة الإصغاء. وفي جامعاتنا، غالبًا ما يتحول الاختلاف الفكري إلى استقطاب حاد. وفي فضائنا العام، تكافأ الأصوات الأعلى لا العقول الأعمق. أما الإعلام، فكثيرًا ما يتحول من مساحة لبناء الوعي إلى منصة لتغذية الغضب والانقسام.
ولعل أخطر ما أصابنا أن فكرة الدولة نفسها أصبحت ضعيفة في المخيال العام. فبدلًا من أن تُرى الدولة باعتبارها إطارًا جامعًا للمصالح والحقوق والواجبات، جرى اختزالها في سلطة، أو حزب، أو جماعة، أو حتى شخص. وحين تضعف فكرة الدولة، تقوى تلقائيًا الهويات الصغيرة بوصفها ملاذًا آمنًا: القبيلة، أو الجهة، أو الطائفة، أو السلاح.
وهنا تظهر القطيعة بأشكال متعددة:
قطيعة سياسية، حيث يصبح الاتفاق شبه مستحيل.
وقطيعة اجتماعية، حين يتراجع الشعور بالمصير المشترك.
وقطيعة وجدانية، حين يفقد الناس إحساسهم بأن الوطن يشبههم أو يشبه أحلامهم.
ثم تأتي أخطر القطيعات جميعًا: القطيعة مع المستقبل.
حين يبدأ الشباب في النظر إلى البلاد باعتبارها مكانًا مؤقتًا لا مشروع حياة، وحين يصبح الحلم الأكبر هو النجاة الفردية لا النجاة الجماعية، فإن المجتمع يكون قد دخل منطقة إنذار أخلاقي وتاريخي عميقة.
ومع ذلك، فإن التاريخ يعلمنا أن المجتمعات لا تموت بسهولة.
كثير من الأمم وقفت يومًا على حافة مشابهة، وبعضها كان خرابها أعمق من خرابنا. لكن الفرق لم يكن في حجم الألم، بل في القدرة على التعلم منه. فالأمم لا تنهض لأنها أكثر أخلاقية من غيرها، بل لأنها تكتشف، في لحظة ما، أن كلفة استمرار الانقسام أصبحت أكبر من كلفة التوافق.
ولهذا، فإن ما يحتاجه السودان اليوم ليس مجرد تسوية سياسية مؤقتة، ولا اتفاقًا هشًا يؤجل الانفجار القادم، بل مشروعًا طويلًا لإعادة بناء الشخصية الوطنية نفسها.
نحتاج إلى تعليم يدرب الطفل، منذ سنواته الأولى، على التفكير النقدي، واحترام الاختلاف، والعمل الجماعي، وحل النزاعات بالحوار لا بالغلبة.
نحتاج إلى مناهج تجعل الطالب يفهم معنى الدولة، لا مجرد حفظ تعريفها.
نحتاج إلى مؤسسات حقيقية لإعداد القيادات الشابة، لا على أساس الولاء والانتماء الضيق، وإنما على أساس الكفاءة، والخيال الوطني، والقدرة على إدارة التعقيد.
نحتاج إلى إعلام يعيد الاعتبار للعقل، ويكف عن تحويل الخصومة السياسية إلى حرب وجودية.
ونحتاج كذلك إلى إعادة بناء الفضاء الاجتماعي نفسه: الأسرة، والمدرسة، والحي، والجامعة، والنقابات؛ لأن رجل الدولة لا يولد فجأة داخل القصر، بل يتشكل ببطء داخل المجتمع.
وربما قبل كل ذلك، نحتاج إلى مصالحة عميقة مع فكرة التوافق نفسها. أن نفهم أن التسوية ليست خيانة، وأن التنازل أحيانًا ليس ضعفًا، وأن الأوطان لا يحكمها من يكسب كل المعارك، بل من يمنع خسارة الوطن كله.
لقد دفعت بلادنا أثمانًا باهظة لأن كثيرين أرادوا الانتصار الكامل. لكن السياسة، في حقيقتها، ليست فن الانتصار المطلق، بل فن تجنب الهزيمة الجماعية.
فأخطر ما يمكن أن يصيب بلدًا ليس أن يختلف أهله — فالاختلاف قانون الحياة — وإنما أن يفقدوا القدرة على العودة إلى بعضهم البعض. فحين تنقطع الخيوط الأخيرة، لا يعود الخراب حدثًا طارئًا، بل يتحول إلى طريقة حياة.
والسودان، وهو يمشي اليوم على حافة القطيعة، لا يحتاج فقط إلى وقف الحرب، بل إلى شجاعة أصعب: شجاعة الاعتراف بأننا، جميعًا وبدرجات متفاوتة، ساهمنا في صناعة هذا المأزق، وأن الخروج منه لن يتم بخطاب انتصار جديد، بل بفكرة جديدة عن العيش المشترك.
فالسؤال الذي يواجهنا الآن ليس فقط: كيف نوقف الانهيار؟
بل سؤال أعمق وأشق:
هل نريد حقًا أن نتعلم، أخيرًا، كيف نعيش معًا؟
لأن الأوطان لا تضيع دائمًا حين تخسر الحروب، بل أحيانًا حين يخسر أهلها القدرة على تخيل مستقبل واحد.
ويبقى السؤال معلقًا فوق رؤوسنا جميعًا:
هل يمكن لبلاد تمشي على حافة القطيعة أن تنجو، قبل أن تتعلم من جديد كيف تمسك بالخيط الأخير الذي يمنع السقوط؟
م، معاوية ماجد



