مقالات وآراء

حين يصبح الكاتب أسيرًا لمحكمة التاريخ: هل يُقرأ الطيب صالح بنصوصه أم بصمته؟ (٢/٢)

عبدالعزيز أبوعاقلة

إذا كان الجزء الأول من هذا النقاش قد توقف عند سؤال المركز والهامش، فإن الجزء الأكثر تعقيدًا يبدأ عندما ينتقل النقد من مساءلة النص الأدبي إلى محاكمة الكاتب بوصفه شخصية سياسية وأخلاقية. وهنا تظهر إشكالية أعمق: هل يمكن اختزال كاتب بحجم الطيب صالح في موقف اتخذه أو لم يتخذه في لحظة تاريخية محددة؟ وهل يصبح صمت المثقف ـ مهما كان مؤلمًا وقابلًا للنقد ـ مفتاحًا وحيدًا لقراءة كل منجزه الإبداعي؟

إن مساءلة المثقف عن مواقفه ليست أمرًا مرفوضًا، بل هي جزء من حيوية الثقافة نفسها. فقد ظل السؤال عن علاقة الكاتب بزمنه وسلطته ومجتمعه حاضرًا في تاريخ الفكر الحديث. غير أن المشكلة تبدأ حين يتحول هذا السؤال المشروع إلى أداة لإلغاء النص، أو حين يصبح الموقف الشخصي للكاتب معيارًا وحيدًا للحكم على عالمه الأدبي. فالأدب لا يُقاس فقط بما يقوله صاحبه في لحظات المواجهة، بل بما يفتحه من أسئلة حول الإنسان والتاريخ والسلطة والهوية.
وهنا تظهر الحاجة إلى التمييز بين الكاتب وشخصياته. فالطيب صالح لم يكن مفكرًا أيديولوجيًا يكتب بيانات سياسية أو يقدم مشروعًا عقائديًا مغلقًا، بل كان روائيًا يشتغل على الإنسان في ضعفه وقوته، في تناقضاته وأسئلته وحيرته. شخصياته ليست نسخًا مباشرة من المؤلف، بل كائنات فنية لها وجودها داخل العالم الروائي. ولذلك فإن محاكمة الكاتب من خلال أفعال شخصياته تشبه محاكمة أي مبدع لأنه خلق شخصيات لا تشبهه بالضرورة.

إن مصطفى سعيد في «موسم الهجرة إلى الشمال» ليس بطلًا منتصرًا ولا ضحية بريئة، وليس مجرد رمز سياسي جاهز. إنه شخصية مأزومة تحمل جرح التاريخ وارتباك الهوية وصراع الإنسان الذي تشكل في زمن الاستعمار. قوته الأدبية لا تأتي من كونه يقدم إجابة نهائية، بل من كونه يجسد مأزقًا إنسانيًا عميقًا. فالأدب الكبير لا يقدم دائمًا أبطالًا نقيين أو مواقف مريحة، بل يضعنا أمام المناطق الرمادية التي يتحرك فيها الإنسان الحقيقي.

لقد أشار ميخائيل باختين في حديثه عن الرواية إلى أن عظمتها تكمن في تعدد الأصوات داخلها، وأن الرواية الحقيقية لا تُغلق العالم داخل صوت واحد، بل تترك الشخصيات تتكلم وتتصادم وتكشف تناقضاتها. ومن هذه الزاوية فإن الطيب صالح لم يكن يكتب شخصيات كاملة أو مثالية، بل كان يكتب الإنسان كما هو: محاصرًا بالتاريخ، وممزقًا بين الذاكرة والواقع، وبين الانتماء والرغبة في الخلاص.

أما المقارنة بين الطيب صالح ومثقفين اختاروا المواجهة السياسية المباشرة، فهي تفتح نقاشًا مهمًا حول مسؤولية المثقف، لكنها تحتاج إلى قدر من الحذر. فهناك من دفع ثمن مواقفه علنًا، وهناك من اختار مساحات أخرى للمقاومة والتعبير. واحترام تجربة أحدهما لا يقتضي إلغاء الآخر. فالمجال الأدبي ليس نسخة من المجال السياسي، ولكل منهما أدواته وأسئلته.

إن الكاتب الذي لا يرفع صوته في لحظة ما لا يعني بالضرورة أن كل ما كتبه فقد قيمته، كما أن الكاتب الذي اتخذ موقفًا شجاعًا لا يصبح بالضرورة مبدعًا عظيمًا. التاريخ الأدبي مليء بأسماء امتلكت مواقف إنسانية عظيمة وأعمالًا ضعيفة، كما أنه مليء بمبدعين حملوا تناقضات شخصية وسياسية لكنهم تركوا نصوصًا غيرت طريقة فهم الإنسان لنفسه والعالم.

ومن هنا فإن السؤال حول «موسم الهجرة إلى الشمال» يحتاج إلى قراءة أكثر تركيبًا. فالرواية ليست بيانًا سياسيًا ضد الاستعمار ولا خطابًا أيديولوجيًا مباشرًا، بل هي تفكيك لعلاقة القوة بين المستعمِر والمستعمَر، وبين الشرق والغرب، وبين الفرد والتاريخ. وربما تكمن قوة مصطفى سعيد في أنه ليس مجرد مقاوم أو مهزوم، بل إنسان يحمل داخله آثار القوة التي يحاول مواجهتها.
ولهذا فإن القول إن الرواية أعادت إنتاج رؤية المركز الاستعماري يحتاج إلى تدقيق أكبر؛ لأن الأدب لا يعمل دائمًا بمنطق الإدانة المباشرة. أحيانًا يكشف تناقضات الواقع من خلال تعقيده لا من خلال إصدار الأحكام عليه. والطيب صالح لم يكتب عن انتصار الشرق أو هزيمة الغرب، بل كتب عن جرح العلاقة بين عالمين، وعن الإنسان الذي يدفع ثمن تلك المواجهة داخل نفسه.

أما مفهوم «اللاوعي السياسي» الذي استدعاه فريدريك جيمسون، فهو بالفعل أداة مهمة لقراءة النصوص، لكنه لا يعني أن النص متهم حتى تثبت براءته. بل يعني أن الأعمال الأدبية تحمل آثار زمانها وصراعاتها الاجتماعية والسياسية. والقراءة العميقة لا تستخدم هذا المفهوم لإدانة النص، وإنما لاكتشاف الطبقات الخفية التي جعلته ممكنًا.
وربما يكون السؤال الأهم: هل استطاع الطيب صالح أن يضيف شيئًا جديدًا إلى فهمنا للإنسان السوداني وعلاقته بالعالم؟ وهنا تبدو الإجابة أبعد من سجالات التمجيد أو الهدم. فقد استطاعت أعماله أن تعبر حدود المكان واللغة لأنها لم تقدم السودان كصورة سياحية أو كهوية مغلقة، بل كفضاء مليء بالصراعات والأسئلة والقلق الإنساني.
فالطيب صالح ليس فوق النقد، لكنه أيضًا أكبر من أن يُختزل في تهمة واحدة. لا يحتاج إلى حماية من الأسئلة، بل يحتاج إلى قراءة تليق بتعقيد تجربته. إن تفكيك الرموز لا يعني بالضرورة تحطيمها، كما أن إنصاف الهامش لا يحتاج إلى إلغاء أي صوت آخر. فالثقافة التي تبحث عن العدالة لا تستبدل صنمًا بصنم، وإنما توسع دائرة الضوء حتى ترى كل الأصوات.

وربما تكون المفارقة أن الدعوة إلى تحرير الثقافة من المركزيات قد تنتهي أحيانًا إلى صناعة مركز جديد أكثر قسوة، إذا تحولت إلى محاكمة أحادية للذاكرة. والسودان، بتاريخه وتنوعه وتجارب أبنائه، لا يحتاج إلى صوت واحد، بل إلى مساحة تتجاور فيها الأصوات المختلفة، حيث يبقى الطيب صالح وإبراهيم إسحاق وغيرهما جزءًا من حوار طويل حول معنى أن نكتب أنفسنا ونفهم تاريخنا.

عبدالعزيز أبوعاقلة
لندن – يونيو 2026

تعليق واحد

  1. استاذ ابوعاقلة اعطيت الدكتور الاشوس مادبو درسا في النقد الادبي البليغ، عسي ولعل ان ينهج نهجك ، ويتخلي عن النقد ( الحقدي) الذي نفثه في وجوهنا، وكل مقصده هو تبخيس القامات الشامخات في بلاد النيلين ،ولكن هيهات،هيهات لن يصل لمبتغاه ابدا، ويظل يتخبط ويلوك ويعجن،في خطابه الملئ بالاحقاد، والنرجسية التي لا تخفي علي احد.

    شكرا استاذ ابوعاقلة..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى

انت تستخدم أداة تمنع ظهور الإعلانات

الرجاء تعطيل هذه الأداة، فذلك يساعدنا في الأستمرار في تقديم الخدمة ..